تركية السوفية
إدارة و أعضاء منتدى تركية السوفية ترحب بكل زائر يتفضل و يقوم بزيارته .
نرحب بكم بأجمل عبارات الترحيب و باعذب الكلمات و بأحلى الألحان و بأرق التحيات بالحب و السعادة و الأمن و الأمان و لكم كل المحبة و المودة و السعادة و السرور

تركية السوفية

تبادل المعلومات و الخبرات بين جميع الفئات للفائده و الإستفاده .شكرا
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
تركيه السوفيه
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 481
نقاط : 10759
السمعة : 13
تاريخ التسجيل : 10/07/2009
العمر : 25
الموقع : الجزائر

مُساهمةموضوع: أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)   الثلاثاء 30 مارس 2010, 10:16 pm

أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)



جميلـة...هي الطّفولـة...
أجلس إلى الذاكرة، إلى العمر البـريء عندما كنت أجري خلف الفراش،ولم أفهم تعقيدات الحيـاة، ولم أكن أستوعب هذا العالم من حولي...وحولي هذا العالم الذي يجمع المتناقضـات...
وأنا في رحلة البدء،في الطريق إلى المدرسة، في آخر أيام حالكة من ديسمبر ويناير،أيـام الصّقيع والبرد الذي لا أجد-إلى حدّ اليوم- أيّ وصف له،الثّلـج يتساقط... يتساقط الثّلـج.. أعبُرُ الطّريق الطّويل صباح مساء،صراعٌ مع الوقـت...أنهض باكرا مع إخوتي، نتناول فطور الصّباح، وتحملنا المحافـظ إلى رحلة نحو طلب العلم بابتسامة والديّ رعاهما الله.
السّابعـة صباحًا من ملامح ديسمبـر،كانت كاللّيل الدّامس، كنتُ أمشي متعثّرًا بالأحجار، وكثيرا ما كنت أهوي على الأرض، أقوم أحرك يديَّ وأنفخ فيهما، فأشعر بالطّمأنينـة...
كنا نهرولُ في اتّجاه المدرسـة،المطر يتساقط بغزارة،ملابسنا تبتلّ، وعلى الرّغم من ذلك فقد كنّا نحتفظ بدفء البراءة، وندخل القسم متأخّرين ببضع دقائق فيسمح لنا المعلّم بالدّخول،وكثيرا ما يُجلسنا أمام المدفأة، فنحسّ بالرّاحة والطّمأنينـة والدّفء،نتابع الدّرس في شغف،ويحين وقت الاستراحـة…نخرج إلى فناء الحكاي ـ ة...
نلعب ونغرقُ في الضّحك، ثمّ أغرقُ في البكاء...البرد أكبر من الطّفولة، والحبّ أكبر من الإنسان، ولو كان الإنسان أكبر من الحب لاستطاع أن يجعل قانونًا له فيحكم به بين النّاس.
كان اللّعب يمنح لنا ما نصبو إليه من الراحة ويمنحنا لحظـة البدء لدرس جديد، ربمّا درسًا في الحياة وربّما عمدنا إلى الاستماع إلى حكايات جحا... إلى أن يدقَّ الجرس... وتمرّ السّاعـة تلو الأخرى، ثم نخرج في اتجاه المطعم، لنعود مساءً إلى المدرسـة...
تنتهي الفترة المسائيـة، أجدُ إخوتي في انتظاري وكثيرا ما أكون في انتظارهم، أمامنا رحلة طويلة وشاقّـة، وعلينا أن نسرع لئلا يُدركنا الظّلام...في أيّـام حالكـة من يناير وفبرايـر.
ويمر يـوم ويـوم...يمرّ شهر وشهـر….
كنت أدرس في الصّف الثّالث، عندما قرّر والدي أن نرحل إلى قرية أخرى، ودّعت أصدقائي...وأنا في عمر الطّفولة...تغمرني هذه البراءة، كأي طفل...أبكي لفراقهم؛ وفي قريتي الصّغيرة...وقفت أمام المدرسـة مع أخوتي...بدأ التّلاميذ ينظرون إلينا، ويضحكون، نحن غرباء عنهم...وبعد امتداد العمر اكتشف أنّني أحيانا لا أعرف نفسي...أفقد كل شيء،وأنا أ سترجع بعض ذكرياتي الجميلـة،عندما كنت أحفظ القرآن على اللّوح، ثم أمحوه بالصّلصال...يأخذني الحنين إلى تلك الطّفولـة،وأكتشف أنّي غريبٌ عن هذا العالم...وربّما لأن المجتمع الذي كان في مخيّلتي وكنت أعيش فيه غير المجتمع الذي أنا فيه الآن...صدامٌ مع الواقع المزري، وكثيرا ما كنت أُصاب بالإحباط...وينمو القلـق يومًـا بعد يـوم...
ويعود فصل الشّتـاء "ببرده الحار"، يعود ببرده هذا الشّتاء. ولم يكن بحوزتي معطفًا يقيني قساوة الطّبيعـة، وكنتُ أضع يدي اليمنى تحت إبطي الأيسـر واليسرى كذلك تحت الأيمن، وتحملني المحفظة نحو البدء...يبتلّ الحذاء....الحذاء يبتلّ...يا له من عالم...يا لها من طبيعـة...وكنت أقول في نفسي:لم كلّ هذا التّعب...؟.
وفي يوم مهم من أيـّام ديسمبر الحالكـة...كنت أحاول أن أكذب على نفسي أنني أحسّ ببعض الدّفء، وأحاول أن أسترجع بعض الحرارة التي افتقدتـها في رحلة الصّباح الباكر، سألني المعلم عن حرف باللّغة الفرنسيـة...لم أستطع أن أحرّك شفتيّ، سلبني الصّقيع كلّ الكلمات...أخفقتُ في الإجابة...أحضر عصًا حمراء طالما سمعتُ زملائي يتحدّثون عنها،وبعد امتداد العمر،أصبحتْ "العصا الحمراء" بمثابة رمز، إن لم أقل أنها أسطورة في المنظومـة التّربويـة، لازالت آثارها في الذّاكرة، وأخفقَ معظمُ زملائي في الدراسـة على امتداد السّنوات...
والتحقتُ بالمدرسـة الأساسيّـة، نسيت ما نسيت وتذكّرتُ ما تذكّرت...
وذات صباح من أيام أكتوبر ونحن في حصّة الرّسم شرع الأستاذ في مراقبة "معّدات مادّته"، كان همُّه الوحيد الضّرب والعقاب فقط، هذا شغله الشّاغل... وكنت مع مجموعـة من زملائي، منّا من نسي قلما، ومنّا من نسي منجرة والآخر ألوانا مائيـة وهكذا....
وبدأ العقاب،كان يحمل خشبةً عرضها عشرون سنتمترا ولا أذكر طولها...ويـمسكها بكلتا يديه ويهوي بها على البراءة؛ ثمّ جاءت حصّـة الموسيقى...لم أكن أعرف موقع "صول" من السلّم الموسيقي وعُوقبت على ذلك...
وأنا أدرس في السّنـة السّابعـة مرض والدي، ومكث في المستشفى مدّة طويلـة، وكنتُ حينها أحتاج إلى المصاريف اليوميّـة، وكثيرًا ما كنتُ أذهبُ لأجني البرتقال وبيعـه، وأحاول تسديد حاجياتي…كرّاس وكتاب وغير ذلك،وأعمل أحيانًـا أيّام العطل الأسبوعيـة والفصلية؛ وكنت أشتـاقُ إلى والدي وكثيرا ما كنت أُخفي ذلك،قسـوة أساتذتي وعقابهـم حال دون رؤيـته، وبعد فترة استعاد عافيتـه ولله الحمد.
كانت حصّة اللّغـة الفرنسية رائعـة...وكثيرا ما كنت أتلهف إليها...السيّدة "تواتي"...تلك المرأة الطيّبة…لا زالت تجلس في الذّاكرة...كم هي جميلـة في طيبتـها وإخلاصها وتفانيهـا...
ويمضي عام... وجاءت انتفاضـة الخامس أكتوبر ثمان وثمانين،رافضـة الظّلم والفساد،مـات من مات وج ُـ رح من جُرح، وافتقر من افتقـر وتجبّـر من تجبّـر...
وفي شهر فبراير تسع وثمانين،بدأت رحلتي نحو المجهول... نحو الكتابـة،وكانت أول قصيدة ـ في رأيي ـ أقول فيها:
لو طال الزّمان وطالـت الأيّـام
لزادتِ الأحزان واختفتِ الأحلام
وبعد امتداد العمر،كنت أضحك من ذلك، لكنّها كانت بداية، واكتشف عمّي "الحبيب" أنّي أكتب الشعر، فشجّعني على حفظ ه ،وكثيرا ما كنت أحفظ شعره الملحون...وكثيرا ما كان كلام الشاعر "المختار بن صديق" أسترجعه كما هو، قال لوالدي: "إن شاء الله سيكون شاعرا"،وكان عمري خمس سنوات،أنا أذكر ذلك جيدا،كان في الشرطة، وحدث مرة أن جاء لزيارتنا وأمسكني من كتفيَّ وقال:
ـ اقرأ لي قصيدة "لا إله إلا الله".
وبدأت أقرأ :
لا إله إلاّ الله هي خْيار الكلام لا إله إلاّ الله هي الخاتْمـــه
لا إله إلاّ الله من قالها ونـام يَنْكتب سُوعادي في قوم سَالْمه
لا إله إلاّ الله هي خيار الكلام عليك يا مَحمَّد صلاة دَايْمـه
لقد كانت قصيدة رائعـة...كثيرًا ما كنتُ أردّدها، حتّى عندما امتدَّ بي العمر... وعلى امتـداد العمر رحلـة تأخذني إلى أغوار المجهـول...رحلـة قراءة في أوراق الذكريات...وجه امرأة...بل وجـه الحيـاة...صوتها الفاتر... يبقى على امتداد العمر... أغار عليها من كل شيء، من النّسيم الذي يهبّ بين الفينـة والأخرى...
وأنا أركن إلى متاعبي،العمل أيام العطل الأسبوعية والفصليـة، أحاول أن أحمل إليها سعادتي وأشجّعها لتُكمل تكوينها في الإعلام الآلي،ستصبح تقنيـة ساميـة...نتـزوّج إن شاء الله،وتكتب قصائدي...ترعى الشّعر أنامل امرأة وضيئة.. تهرب من اللّغة كلّما حاولت اللّغـةُ الاقتراب منها..

_________________
ينادي فؤادي بليل السكون
بدمع العيون برجع الصدي
لك الحمد اني حزين حزين
وجرحي يلون درب المدي
ولولا الهدي ربنا واليقين
لضاعت زهور الجراح سدي
جراح وماذا تكون الجراح
الليست جراحي هدايا القدر
اذا ما ارتضيت يطير الجناح
يكحل بالنور عين القمر
لك الحمد في الليل حتي الصباح
لك الحمد في الصبح حتي السحر
جراح مالي جراح سوي
ذنوبي فكيف اداوي الذنوب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://terkiya.3arabiyate.net
تركيه السوفيه
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 481
نقاط : 10759
السمعة : 13
تاريخ التسجيل : 10/07/2009
العمر : 25
الموقع : الجزائر

مُساهمةموضوع: رد: أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)   الثلاثاء 30 مارس 2010, 10:19 pm

- هل تذكرين..؟.
- أذكر... جيّدا..
- عندما كنّا نبني بيتا صغيرا من الطّين والحجر.؟
- في براءتنا... في سذاجتنا.
- لم نعرف...
- ماذا ؟..
- أنّنا سنكون...
- نعم...
تقول ذلك وتُخفض رأسها في هدوء، أَعلمُ جيّدًا أنَها لا تحبّ الأحاديث الغراميـة، وكثيرًا ما كنت أقرأ لها شعر المجنون، تحمرّ وجنتاها... تتململ...
النّاس يمرّون أمامنـا... ونمرّ أمامهم... ينظرون إلينا... كنت محسودا على حبّها... يثيرُ انتباهها ثوب العرس المعروض في المحل...تنظر إلي، تبتسم ونُواصل الطّريـق...لا ننبس بكلمـة واحدة...
شعَرت بالقلق، أعرف ذلك، تبـيّـن لي أنّها تخفي أمرًا ما، لم أستطع أن أعرفـه، حاولتُ مرارًا أن أعرف لكـن بدون جدوى.
وصلنـا إلى البيت...والدتها في انتظارنـا،تعوّدتُ على زيارتها كلّما سنحت الفرصـة، كأسُ شاي ساخن في انتظاري وبعض الحلوى، تُثير انتباهي صورة والدهـا...لم أعرفه،لكنّني أحسست وأنا أتأمل الصّورة أنني أعرفـهُ منذ زمن بعيـد، يجلس هناك...في الضّفـة الأخرى... منذ سنوات، كان عمر زينب آنذاك -على حدّ قولها-خمس سنوات...
......قبل أن أعرفها بسنتين و نحن ُ في ريعان الشّباب... في سذاجتنـا...وكثيرا ما كنّا نتشاجر لأتفه الأمور، ثم نعود لنبني بيتا صغيرا من الطّين والحجر.
كان الحاج عبد الهادي رجلا طيّبا، ما ذُكر في مجلس إلاّ وسمعتُ النّاس يدعون له بالرحمـة، كان كريما محبّـا للخير...خالتي "مريـم" تحمل هذا الوفـاء...لم تتـزوّج وآثرت أن تربّي ابنتهـا أحسن تربيـة... عيناي تتأمّلان صورتـه،لا أشعرُ إلاّ وصوت "زينـب".
- أبي... رحمه الله
- رحمه الله ورحم جميع المسلمين.
السّبحـة... ترسل بعض همساتهـا، تدور في يد خالتي "مريم"، أنظر إلى السبحـة، ثم أنظر إلي خالتي، وأنظر إلى زينـب وهي مشغولـة بالشاي والحلوى، ثم أنظر إلى الصورة... أتأمل قسمات هذا البيت... البيت يسكنه السّكون، صوت خالتي "مريم" لا يكـاد يسمـع... إنها تشبـه "فرانسواز"،هذه الفرنسيـة المسلمـة التي تزوجت جزائريـا، وارتأت أن تبقى في الجزائـر... كان زوجها يعمل في فرنسا، ونادرا ما يأتي إلى الجزائر لزيارة زوجته أو البقاء إلى جنبهـا،كان يملك محلا لبيع الخمر... الصورة واحدة خالتي "مريـم" و"فرانسواز" في التزامها،والحمرة التي تجلس إلى وجههـا.. إنّـه النّـور... الذي يجلس إلى القلوب الطّيبـة...
أتأمّل البيت... كتبٌ في الإعلام الآلي،مصحفان...سجّادتان وبعض الأفرشة،تتصدّر البيت طاولـة تقليديـة مزخرفـة... كأنّني أعرف هذا البيت... نعم أعرفـه...
- أستأذن يا خالة..؟.
أهمّ بالخروج بينما أسمعُ وقع حذاءِ زينب... ألتفتُ إليها بابتسامة...
- السّلام عليكم ورحمة الله.
- وعليكم السّلام..
وأسمع صوت خالتي مريم ودعاءها... لكم أنت طيبِّـة يا خالـة...البحر أمامي الآن، البحر يسكنني... تغازله بعض الـزوارق، وتهمس إليها بعض الأمواج، تثيرهـا...تهدهدها كأطفال صغـار...ما أجملها،زوارق من أوراق كنت أصنعها يوما ما وأضعها على الماء... وأتابعها في "السّاقيـة"، وغالبا ما كان أقراني يأتون إلي فأصنع لهم ما شاء لهم من الزّوارق،وكثيرا ما كان يستفز ني أحدهم:
- أريد سيّارة... اصنع لي سيّارة "شوماخر" .
أنا لم أكن أعرف "شوماخر" كنت أظنّ أنها شركة لتصنيع السيارات مثل "رونو" أو"بيجو" واكتشفتُ أنّه رياضيٌّ هوايتهُ السّرعة، ويُثيره النّصر للإقبال على الموت.
- حسنًا ها هي سيارة "شوماخر".
يسعد بذلك... ويقودها وهو يُصدر صوتًا يماثل سيارة سباق... ولم أكن أعرف "شوماخر" لولا هذا الطفل الذي يكبرني بثلاث سنوات...
ولفت انتباهي بعد سنوات مقال في الجريدة "شوماخر في الشلف" قلت في نفسي:
- من قاد هذا الرجل إلى الشلف؟ لأية حاجة؟ هل هو في سياحـة ؟،ورحت أتتبّع المقـال.. واكتشفـت أنه فعلاً هنـاك، سيارات النقـل الجماعي تحاكي شوماخر في سرعتـه...وعدت أضحك من نفسي.
وأقضي وقتي في صنع الزوارق، سيارات "شوماخر" كرة القدم،وأمازح أقراني،عندما أصل المرمى أحمل الكرة بيدي وأقذفها من اتجاه الهدف.
يصر خ زملائي:
- غش... لا يحسب..
- يُحسب...
- لا يحسب، يُجْمعون على ذلك، بينما أرسل ضحكة :
-كنت أمزح فقط..
وغالبًا ما نتشاجر، ونُجمع على أنّنا لن نكلّم خصومنا...وفي اليوم الموالي... يأتي "شوماخر":
- أريد سيّارة...
- وسيّارة الأمس... أين هي؟
- أخذها أخي... كان يبكي فأشفقتُ عليه...
- ليست عندي شركـة لتصنيع السيارات، في المنعطـف... على الجهـة اليمنى، زرعت سيارة بالأمس، اليوم ستجدها أنبتت ثلاث سيارات.. اذهب و ا بحث عنها...
يذهبُ المسكين للبحث، بينما أغادر المكان...وعندما ابتعد، أبقى في مراقبتـه...مسكين...أنه يبحث عن سيارة...
أناديـه في سخريـة:
- غبي...لم أَرَ أغبى منك...سيّارة تُنْبِتُ سيّارات...
يبكي في حرارة.
- سأحكي لأبيك عن ذلك
يقول ذلك ويهمُّ بالانصراف...ألحقُ بـه.
- حسنا سأصنع لك أحسنها...
بعض الأسلاك الحديديـة وبعض علب "الشّمّـة" الفارغـة، التّصميم يشابـه سيارة "شوماخر"...يغادرني ويذهب مع سعادت ـ ه وكثيرا ما كان تستهويـه عندم ـ ا يثيره الغبار العال ـ ق بعجلات سيارتـه، ينبئ عن سرعت ـ ه المفرطـة وينبئ عن براءتـه.
جميلـة هذه الحيـاة.....
كبر...وكبر الحلم معه...وجلست إليه طاولة لبيع السّجائر...عندما فهم تعب الحياة وشقاءها، وكثيرا ما كانت تثير انتباهه فتاة أخاذة...يغازلها...ياله من مجنون...أضحك من نفسي عندما أضحك على أي تصرف يقوم به...ذلك أنني أجرؤ على مثل هذه التصرفات...حيائي يمنعني، ثم أني في انتظار امرأة فريدة من نوعها، تأتي صدفة،هكذا صدفة،أجمل امرأة في العالم امرأة عندما أراها أرى الغربـة فيها...هذه رؤيتي،وربمّا أكون محقًّا في ذلك...
تكبر زينب...وأكبُر...ويكبر معنا الحلم...ويتجاوز الجرح عُمْرَينْاَ...نجن هاربون نحو البراءة...العشب الأخضر يحكي الكثير عن ألعابنا الطفولية...يا لها من طفولة...
ويَغريني السّكون...كما أغرى هذه الحديقة...تستقبل بعض الهاربين إلى ذواتهم والهاربين من متاعب الحياة...
تبكي...أسمع صوتها...زينب تخفي شيئا ما...قلق الأسئلة...وتنتابني حالة جنون...أنظر إلى السّماء...إلى الأرض...إلى زينب...تحاول أن تهرب مني...من أسئلتي...لتقترب إليّ...يقاسم الحجاب الطّبيعة خضرتها...وفي ثوب العرس خمار امرأة...تأتي...إلى حديقة تستفزُّ الهاربين من ذواتهم ومتاعبهم...هي ليست جميلـة...بل جميلـةٌ أكثر من الوصف...
نتّجـهُ إلى الغروب...إلى الشّروق...يأخذُنا الحديث عن مواضيع كثيرة غالبا ما كانت في أمور الدّراسة والشّعر، وكثيرًا ما كان تثيرها "عودة حمار الحكيم" وهي مقالات في النقد الاجتماعي، وبأسلوب ساخر تثيرها هذه العودة...أجدها..أجد نفسي..نجدُ روحينا بل روحنا و...ونحن نبني بيتا صغيرًا من الطين والحجر...لطعم الطين في أناملي حكايـة...لم أنس ملامحها مع تقدّم العمر...نقوم...نغيّر الجغرافيا والتّاريـخ...ونحتفـظ بالرّصيف المحاذي للبحر...النّاس يجـرون...الأطفال الذين تاهوا مع هموم الكبار وانشغالاتهم... أنا الهارب من ذاتي إلى ذاتي، عندما يتحدث العقل فإننا نستاء من الواقع المتناقض، وعندما يتحدث القلـب فإنّـنا نقول كل شيء، رافضين ظلم الواقع...رافضين البشر...لنبحث عن الإنسان...
لم يعد هذا الرصيف يجمع غير المتعبين الهاربين...يغادرنـا، ونتركهُ لأناس آخرين...البيت يتصدّر الشّارع...وكثيرا ما كنت أشتاق إليها...فأمر ُّ أمامهُ...وأتأمـل الباب الأخضر...أحس ُّ بهذه الطّمأنينـة...كأنّني رأيتهـا فعلا...بل رأيتها في هذا اليوم...لقد كانـت جميلـة...
ت جلس...خالتي "مريم" تحتفظ بابتسامتها وطيبتها، ولا زالت "السبحة" تجلس على يدها اليمنى...
تحاول زينب أن ت ُ فهمني بعض المصطلحات في الإعلام الآلي...رأسي ثقيل لا يستطيع أن يستوعب ذلك...أحاول إقناعها ألاّ تجهد نفسها...وأومئ لها أنها ستصبح شريكة عمري، وتكتب أشعاري...تبتسم...تشرق...ويُشرق على ميناء قلبي هذا الجمال...تماما كالشّمس التّي تبتسمُ لظلّين كانا خلف هذه الجبال...وكنّا نراهما بقلبينـا...كم هي جميلة هذه الحياة...كم هي حزينـة...
لا زالت صورة عمي "عبد الهادي" تتصدر جدار البيت ، هو الجالس في الضفة الأخرى...ينام في هدوء...طمأنينـة...حيثُ العدالـة الإلهيـة...
أودّع البيت...وفي قلبي تنام الطمأنينـة...وأعود إلى بيتي...أنزوي في الغرفة...تنبعث موسيقى هادئة...حزينة...مؤلمة...أكثر من وصفي...ينبعث من نافذة جارنا صوت العندليب الأسمر...(ياللّي شفت في عيني َّ الدّموع وأنا دايمًا راجع وحيد) يهمسُ في أذني...تهدأُ نفسي، بينما تثور دمعـة...فدمعـة...
هي الآن تنام...لا...لا أظن ذلك...ر بّ ما ان بعث صوت العندليب الأسمر...هي تسمعه الآن...أنا متأكد.. لا أستطيع...أخرج وفي جيبي ورق وقلم.ربما أكتب شيئا ما... وكثيرا ما كانت تخونني اللغة, فتبقى الورقة على حالها...بيضاء...بياض قلبها...
كانت تستهويني لعبة الحب... وردة الياسمين وأبقى أنزع بعض أجزائها...تحبّنـي... لا تحبّنـي،إلى أن أصل إلى آخر جزءٍ في الوردة...فأصل إلى أنّـها تحبّنـي،جيّد جيدا، وأحاول أن أتأكّد،وردة أخرى...وهكذا..أصل إلى أنهـا لا تحبنـي...غير ممكن إذن...هذا رأي حاسم،المحاولة الأولى لا تحسب ، والثانية أيضا ، هذه المحاولة الأخيرة ، وأصل إلى أنها تحبّني...تأكّدت الآن...
اطمأن قلبي... وكثيرا ما كنت أمازح "زينب" بلعبـة الحب..ترفض...تخاف...ربما لأن النّتيجة قد تكون صدمـة أو ل أ نّ حياءهـا يمنعهـا من ذلك...ولم أك لأجرؤ على القيام بهذه اللّعبـة ، لكني كنت أتظاهر بذلك...تطمئنُّ على صمتها...وقلبها"...
أمشي في هدوء... بعض الجميلات في الشارع...أغض بصري... لا أستطيع الخيانة...
أحبها...لا...أحبها...اللغـة كلها عاجزة...كثيرا ما كنت أحاول أن أعترف لها بذلك...
- أنـا...أنـا...
- لننصرف الآن...
ترفض في حياء...وأنا شاعر...لغتي عاجزة ، أتملّص من خوفي و من قلق الغد... وكثيرا ما كنت أتراجع...حيائي يمنعني من الاعتراف ، صوت بداخلي ينبعث:
- عندما نتزوج...سأقول لها ذلك...أما الآن فلا...فلأترك هذه الكلمة إلى حين...لو اعترفت لم يبق شيء...ويبقى كل شيء...عندما نتزوج إن شاء الله...
وجهـان... والسّمـاء تزرع في ملامحهما كثيـرا مـن الحقيقـة...وجهان يلتقيـان ولا يلتقيان...الشّمـس تسطـع كلّ يـوم على ما يحملانـه من النّبـل والحقيقـة...
- محمـود... !
- زينـب... !
انتابني الخوف من كل شيء، من العيون التي تطاردها في كل مكان، ومن الناس الذين قالوا عنهـا الكثير، من كل شيء، الخوف يسكنني الآن، والحزن يتأجج داخلي ويبث قلقا دائم، والدمع يكتب حكاياته الكثيرة في كل لحظة، ويغرق سفن الفرحة،ويحرق كل ما جمعت من ابتسامات نبيلة، وأنا ألقى الأحبـة وكلّ الذيـن أهداهم القدر تأشيرة رحلـة مجانيـة دون اختيار، وكل الذين سافروا تاركين خلفهم رماد الذاكرة ما عاد فيها غير الأسمـاء تسكنها، وكثيرا ما تغيب ملامح أصحابها لتبقى الذاكـرة عربون وفـاء....
كان محمد... يسكن زواياها ويطوف في كل اتجاه، أنا أذكر كيف كان محمد.. كان رجلا حقّا، من خيرة شباب القريـة، يعمل طوال النهار ويعود متعبا بعد كفاح ساعات طويلة، يصلي ثم ينام، ويخرج بعدها ليجالس أقرانه ثم يجلس إلى همومه، محمد لم يعد ذلك الفتى الذي يناضل ليتمتع بالحياة، بل عاد يناضل بالجنون ليتمتع بنعمـة العقـل والتفكير، آه يا محمد... ما أروعك... ما أتعسك... !

_________________
ينادي فؤادي بليل السكون
بدمع العيون برجع الصدي
لك الحمد اني حزين حزين
وجرحي يلون درب المدي
ولولا الهدي ربنا واليقين
لضاعت زهور الجراح سدي
جراح وماذا تكون الجراح
الليست جراحي هدايا القدر
اذا ما ارتضيت يطير الجناح
يكحل بالنور عين القمر
لك الحمد في الليل حتي الصباح
لك الحمد في الصبح حتي السحر
جراح مالي جراح سوي
ذنوبي فكيف اداوي الذنوب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://terkiya.3arabiyate.net
تركيه السوفيه
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 481
نقاط : 10759
السمعة : 13
تاريخ التسجيل : 10/07/2009
العمر : 25
الموقع : الجزائر

مُساهمةموضوع: رد: أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)   الثلاثاء 30 مارس 2010, 10:22 pm

هي الحكايـة التي تكتب نفسها وتقول لي: إنه كان يبكي ويضحك في آن واحد، وتقول أيضًا: إنه كان يصرخ ثم يصمت، ويقول دخل فلان وقال لي كذا وكذا، مع أنه لم يره منذ أمد بعيد،وتقول الذاكرة أنه كان محسودًا على تعبه وشقائه، وكان النسيان يحاول أن يختطف أجمل ما في زواياها، وأحزن ما فيها، تعبت زينــب من الذاكرة الخرساء كما تعبت الذاكرة من السفـر عبر الأزمنـة والتجول في مختلـف الأصقـاع، سقطت من زواياها الأسمـاء.
- محمود... !
صوت يشدّني إلى سنّ الطّفولـة وأنا ألعبُ بالتّراب، وأبني بيتـا صغيرًا من الطين والحجر،كان ذلك شيئا رائعـا...اليوم كبرنـا على الطّين والحجر، لكنّه لا يزال ساكنـا فينـا... في براءة الأطفال الذين لا يزالون يعدّون السّنوات قبل دخول المدرسـة، أو حتّى الّذين ألفـوا الحيـاة فيهـا.
اليوم كبرنا على الطّين والحجر، لكنّهما يكبران في طفولتي يومًا بعد يوم ويزداد تعلقي بهما،وربما بعد يوم كامل أعود لأهدمـه ثم أعيد بناءه من جديد في يوم جديد، ولطعم الطّين في أناملي حكايـة، افتقدت الكثير من معالمها مع تقدم العمر اليوم كبرنا على الطّين والحجر، وكبر الطّيـن أيضا علينا...
- محمـود... !
صوتٌ أسمعه وأسمعُ صاحبته،هذه العيون أعرفُها... هذه الملامح هي أنا...هذا الصّوت هو أنا... أنا الحكاية... تنفرُ منّي الكلمـات وتهجرني اللّغـة،يتكرّرُ الصّوت... يكفيني العمر كله لأنظر إلى هذا الصّـوت... يكفيني قبل الآن أ ن أعرف هذا النّداء...
- نعم... هذا أنت ؟
- من غيري كنت تتوقّع ؟
- لا...لا أحد... فقط كنت أتحدث إليك قبل أن أراك...
- والآن...؟
- آه... الآن... صعب جدًا...
- وقبل الآن؟
- كنت أريد... كنت أريد أن أقول أشياء كثيرة...
- أ سمعها الآن...؟
- لا أجد كلمة واحدة...
تغيب الكلمات ويغيب ذاك الصوت، واكتشف أن ل لجنون في حياتي حكايـة، إن هذا الصوت كنت أسمعه، بل كنت أراه...،هي الحكاية تتكرّر في اليوم عشرات المرات، وأعيشها وأنا أذكر فاطمة حين سقطت ورقتها من السماء... وأنا أذكر حبّات الخوخ والعنب وقطع الحلوى التي لم تَذُقْ حلاوة فاطمة...كانت على استعداد أن تمنحها الكثير من الفرحة وأعيشها وأنا أرى يتمي في تلك المقبرة الصامتـة،وحين أسمع صوتًا مشحونًا بالكآبة... يا إلهي... هذا الصّوت ما أحزنه... !
- محمـود... !
يتكرّرُ الصّوت ويشدّني إلى عمر طففتُ الدّهر أحنُّ إليه وأنا أبني بيتًا من الطّين والحجر،كبرنا على الطّين والحجر...تختطفني التفاتـة... القبرُ يناديني الآن، القبر يحنُّ إلي، أعلم جيّدًا أنّه يحبّني وكثيرًا ما كـان سفراؤه يطاردونني في كلّ مكـان،العيون تلاحقني،سفراؤه قتلوا ذاتي عندما سقط "فتحي" وبدلتهُ الخضراء ذاقت طعم الحمرة... القبر يناديني... خطوة فخطوة فأخرى... الآن لا مسافـة بيننا...
- كيف حالك...؟
هذا الصّوت أعرفـه...أعرف زينـب...أعرفها،يتوقّـف الوقت ويصبح المكان اللاّمكان... أنا الآن هناك... أنا الآن... أسكنُ القبر الآن، والقبر يسكنني ولا يسكنني...
- زينـب... !
- محمـود... !
صوتـان... يتقطّعـان... للدّموع طعم الملح القاسي، وروحان اتّحدتـا في اللاّآن... كان يكفيني آلف عـام من البكاء لو أستطيع... لو أستطيع أن أفعـل شيئا...
- للدّموع يا زينب في عمري حكاية... لو علم النّاس أنّك أنت... أنت الوحيدةًُ مثلي... وأنت البعيدةُ عني في حكايا العجائز والشّيوخ... لو علم الناس أنّني كنتُ أحملك بين ضلوعي، بل أنّك صرت أنا... تسكنينني وتسافرين بي حيث تريدين لأحبّوك كلّ الحب... منحوك العمر كله... آه... لو أحسّوا يومًا أنّك ستحملين ثوب العرس قبل زواجنا... زوّجوك الشّمس... !
للقبر في عمري آلاف الحكايا... من المكان الذي تنطلـق منه الحكايـة... من المكان الذي يرتفـع فيه الإنسان ليصبـح إنسانـًا...
- ممنوع في عرف الناس أن أتحدث إليك وأنت هناك... هل تذكرين البحر عندما كنا نجمع أصدافه...؟
- وأذكر يـوم بلّلت خماري بالماء...أذكـر أنّك كنت...لا أستطيـع الوصـف...
- هل تذكرين البيت...؟
- بنينـاه بالطّين والأحجـار... وجعلنا بعض الأصداف على سقفـه... و...
- ماذا...؟
- جعلنا له بابًا من الخشـب ولم نجعل له مفتـاحـا... ذلك البيـت يا محمود لم ندخلـه...
- نعم يا زينـب لم ندخلـه...باب بلا مفتاح...بيت بلا مفتـاح...لا أحد يسكنـه...
- وأنت تزوجت الشمس...وأنا كنت أراقب شمسًا لم تشرق، وكنت أرى زواجكما...وتزوج الدمـع العيون...
تختطفنـي الذّاكرة وتصعد سنوات للوراء، بكـاء النـاي يأخذ منـي المفردات... صرت أجهـل اللغـة، كأنني لم أدخل يومًا مدرسة... يتكلّم النّاي ليقصّ الحكاية حينما كان يتعثّر بأعواد الثّقاب، وحين كان يجلس النّاس إلى موقد النّار في ربيع الصّيف، لتقصّ النّار الكثير من مغامراتها، والكثير الكثير من حكاياها.
تتساقـط من العمـر السنوات دمعـة فدمعـة، وأنا أطارد ذاتي في المسافات المتعبـة، من هنا كانت الحكايـة...
البحر يشتاق إلي...ارتوت حكايتنا بمائـه...يُعَنِّفُ كياني تتصارع فيه الأمواج،كأنّها تريد أن تخرج من جبروته...كأنّها تريد أن تأتي إلي لتروي الحكاية،حين كانت زينب لا تزال تقبّلُ أمواج البحر كأنها تريد أن تقول لي الحكاية كأنها تريد أن تقول لي: إن زينب لا تزال محافظـة على وضاءتها حين كانت تغرف ما تستطيع لتبلّل وجهي وتتعالى البسمات الحلوة...ما كنت أظن أن تتهاوى البسمـات، بعدما سقطت مـن العمر السّنوات دمعـة فدمعـة... للمـوج في بحـر ذاكرتـي كثير من الحكايـا وأنـا أذكر كل ما مرّ في طريق الذاكـرة...
ما أكـاد أتوسّد رمال الشّاطئ حتّى أراها تمشي في وقـار:
- ما أجملك... ما أطهرك...؟
- حسنًـا... استودعك الله...
- إلى أين؟
- سأسافر...
- يا الهي ! بهذه السرعة؟ ما صدقت إني رأيتك... ألا يمكنك البقاء أكثر من ساعة؟
- لك ذلك...
الوجـه تكسوه الحمرة،لم أنبس بكلمة واحدة، لم أستطع أن أجمع شتات أفكاري، وأن أنظم الكلمات في جملة مفيدة، آه كأنه العمر قد مر،لم أعبأ وأنا أعد الدّقائق والسّاعات ثمّ الأيام والشّهور والسّنوات.
كان الوجه تكسوه الحمرة،لا أعرف...ربّما كانت حمرة اللقاء أو لقاء لفراق يريد أن يقطع تذاكر الرحيل... تساءلت طويلاً:كم يلزمني من المفردات كي أحتوي لغة العيون التي لم تستطـع ولن تستطيع أن تنظر إلى بعضها، وكم يلزمني من السنين كي أعيد تذكار الماضي وترتيب أحداثـه، تساءلت وكان وجهي حائرا ويحاول رسم خريطة أو ملامح وجه امرأة تكسوه الحمـرة، وأحاول أن أجمع ذكرياتي وأغيّر بعضها نحو أمل الغـد...
ذلك الأمل المفقـود، كان وجـه امرأتي حاضرًا، لم أستطع أن أنبس بكلمـة واحدة، وأنـا اقطـع تذاكر السفر إلى بلدة بعيدة، حيث وجه امرأتي الغائبـة الحاضرة يحاول اختصار الوقت وطيّ المسافـات نحوي، كان الوجهُ تكسـوهُ الحمـرة يحاول تأريخ الشمس...لم تستطع أن ترفع عينيها إلى، ولم أستطع ذلك... الحياءُ يكـتبُ عنوانـهُ على وجهها بقلمٍ أحمـر.......
- ستسافريـن... لماذا هذه الأيـّام ؟ تعلمين أنّني سأفتقـدك...ودونما شعور، اتّفق أن رفعنا رأسينـا إلى بعـض، نهضت في هدوء، ومشت قي وقار، لا أسمع إلا صوت مبحوحًا فاترًا يترك صداه:
- استودعك الله...
- إلى أيـن؟
يظـلّ السّؤال يتيمًا على عتبات شفتي:
- زينـب إلى أين؟
يظـلّ السّؤال يتيمًـا، يجلس إلى ضياعي، أنهض... ألتفت يمنـة ويسـرة... لا أحد هنا، يصبـح المكـان قدر علبـة الكبريت، موحشًا... مقفـرًا، أتتبّـع وقـع خطواتـها، مرّت من هنا... من هذا الاتّجاه، أسرعُ في اللّحاق بها، لا أعبـأ إلاّ وقدميّ في المـاء... البحرُ يُناديني...يشتاقُ إليّ البحرُ يسكُنني الآن... للضّياع في ذاكرتي آلاف الحكايـا...
أعود لأبحث في دفتر الذّاكرة، لاكتشف أنّها تتربّـع على هذا العرش، وأعود إلى البيت متعبـا مـن ضياعي الكبير.
يقاسمني الصّمتُ أركانه، وكثيرًا ما يحمل حقائبـه الكثيرة، آه يا محمد ما أروعك، تأتي بشرى الصّغيـرة تُقبّلني وتجلس إلى جانبي وتنظرُ إلي... أنا أعلم جيّدًا أنّها تريدُ شيئًا ما...
- بشـرى... هل راجعـت دروسـك؟
- نعم...وحفظـت الإخلاص و الكوثـر..
- آه...رائـع جـدًا...
تنظر إلي وتردف قائلـة:
- قالت لنا المعلمة أن نحضر كراسًا.
- حسنا... في الغد سأحضره لك، اتفقنـا؟
تتغير ملامـح وجههـا... اعلم أنها تريـده الآن، تنظـر إلي وتنظـر إلى الأرض ثم ترفـع رأسهـا قائلـة:
- قالت لنا المعلمـة أن نحضره غدًا...
تتحجّر الدّموع في عينيها،أدخلت يدي لأعد ما تبقّى من دنانير،خمسة عشرة... عشرون...حسنا هي محظوظـة جدًا.
خرجتُ وقد تحولت القريـة إلى شبحٍ مخيف...الكرة بين أقدام الأطفال كالكلماتِ البذيئـةِ على عتبات شفاههم، هكذا تعلّموا... يظل صدى تلك الكلمات يتردّد على امتداد الزّقاق الطويل،وخاتمـة الزقاق شجر الصّفصـاف، آه يا شجر الصفصاف،الخطـوة تتلوهـا الخطوة،والوجوه لا تعرفني،وكثيرة لا أعرفها،تغيـب الشّمـس عنها،يتوقّـفُ قطار الذّاكرة.......... ماذا نسيـت؟
بشرى الصّغيـرة والأطفال التّائهين في معالم همومنا،ونحن نركن إلى قسـاوة المعيشة،ونحن نجري وراء لقمـة العيش.......
يسيـر اللّيل بخطى متثاقلـة،وكأنّـه يتراجع أحيانا،فأحسّ بالعتمـة تجتاح الحلم حين كنـت أطـوف المدينـة الخاليـة.
الواحدة ليلا... كانت المدينـة غارقـة في سباتهـا، وتخلصت من الأقدام التي سارت في شوارعها لساعات طوال...كانت تسبح في صمت جميل... آه أيها الصمت الجميل ! أذكره على شفاه المرحومة، تتكلم في صمت، وتعيش في صمت، وأنا أموت في الصمت الساكن منذ أعوام طويلـة، ويصبح الوقت في يدي لا يقبل العـد.
بـدأ الليل يضع نهاية لرحلته الطويلة، وتكاد الشمس أن تبتسم في وجهي لتقول: قم إنها السادسة،صوت المؤذن يوقظ بعض النائمين، انهض... والماء البارد يُقَبِّلُ وجهي...السّجادة تعانقُ جبهتي في حنان... وتحكي لي ولها عن الذين تغرّبوا،وكلّ الذين قرأت عنهم في بعض الكتب...كلّ الذين سمعت عنهم... آه يا حنـان السّجـادة،الزّقـاق يهتـف ويبارك خطى بعض النّائميـن الذين استيقظوا على نداء المؤذن... وأعود إلى البيت الذي بنيته بالطّين والحجر،أجمع بعض أوراقي المبعثرة وبعض متاعبي وأحمل في بطني رغيفًا وقهوة قاتمـة.
السّاعـة الثّامنـة...بدأتِ الأزقّـةُ تستقبل الأقدام، والشّيوخ الجالسون أمام المسجد،بعضهم يتجاذب أطراف الحديث، وبعضهم الآخر يعدُّ من مرَّ من هذا الطريق.
- السّلام عليكم ورحمة الله.
- وعليك السلام يا ولدي...
- كيف حالكم ؟
- بخير والحمد لله.
- اللّهم لك الحمد.
أترك القريـة وتحتضنني المدينة، علي أن أتفقد صندوق البريد، أنتظر رسائل كثيرة، أنظر... لا شيء جديد، يتملكني القلق والحيرة، أخرج وكأني فقدت شيئا ما... آه لقد فقدت الكثير..
- محمود... ! صوت يشدّني إلى عمر الطّفولة وأنا أبني بيتا صغيرًا من الطين والحجـر، لقد كبرنـا على الطين والأحجـار، جلسنا إلى متاعبنـا وهمومنـا.
يتكرر الصّوت... ألتفت... يا الهي... ! هذا الوجـه أين كان فيما مضى...
- هل أنت محمد؟
- وهل أنت محمود؟
تعنّفنـا طويـلا.... للأحبّـة في زوايا الذاكرة كثير من الدّمع، وللشّوق حكايات كثيرة، والوحشـة تسكن ذاتـي وتقول الذّاكـرة أن محمدًا لم يتغيّـر،الشّعـر الأسود لم يتغيّـر، منكبـه العريض وقامتـه الطويلـة،وجهـه المشرق وجبهته العريضـة، لم يتغيّـر شيء، حتّى ابتسامتـه قطعت عهدًا أن لا تفارقـه مدى الحياة...
- محمد كيف حالك ؟
- أنا بخير...وأنت ؟
- كما ترى... أين كنت كل هذه المدّة ؟
- كنت أعمل في المطار، وانتهت مدّة العقد، والتحقت بعدها بفرق الحماية المدنية.
- جيد جدًا.
- هل تذكرُ أيّام كنّا في الثّانويّـة؟
- آه يا محمود ! أ ذكر كل شيء، أذكر متاعبنا وضياعنـا، أذكـر زينب... أطرقت برهة... تغيرت ملامح وجهـي، أحسسـت بالنـار في داخلي، والعرق يتصبب، عرق تعبنـا وشقائنـا، وشجرة غرسناها وسقيناها بعـرق الكفاح.
نظر إلي.... أخفض رأسه في هدوء، كتب الصمت حكايتـه،عدت استنطـق بعض تقارير السنوات وأجلس إلى أطلال الذاكرة، العمر يتراجع للوراء... ولطعم الطين في أناملي حكايـة وأنا أبني بيتًا صغيرًا من الطين والأحجار، ولقسـوة الملح في عيوني الكثير من الحكايات، وأنا أذكر جنازة فاطمـة، تلك الحلوة الصغيرة، وأذكر حبات الخوخ وقطع الحلوى التي لم تذق حلاوة فاطمـة، وأذكر زينب حين تمنيت اللّحاق بها وحين بقيت وحيدًا أمام القبر..
- آه يا زينب ! هذا أول يوم لك في الحياة الأخرى وآخر يوم لي في الدنيا...
- محمـود... !
- زينـب... !
صوتان يتقطعان، للدّموع طعم الملح القاسي، وروحان اتّحدتا في اللاآن.
- محمـود... ! ما بك؟
صوتٌ يستوقف الذّاكرة لتقول لي: أنّك مع واحد من الأحبّـة الذين افتقدتهم، يستوقفني محمد بكثير من الأسئلة، تفحّصت ملامح وجهه، وأخفضت رأسي في هدوء، للتّعب كثير من القصص المؤلمة... تفحّصت هذا الوجه المشرق... ويستوقفني مرّة ثانيـة قائلا:
- محمـود... ! ما بك؟
- لا شيء...لا شيء... !
- أنا آسف... لم أقصد ذلك؟
حركت رأسي يمينًا ويسارًا، كأنّني أريدُ أن أقول له: لا تحمل همّي.......
- آه يا محمد لو تعلم ماذا حدث على امتداد السنوات الشاسعة، لو تعلم كم ضعت على امتداد الأرض التي أنبتتني !
- محمـود... ! صوتٌ يشدّني إلى سنّ الطّفولـة وأنا أبني بيتا صغيرًا من الطين والحجر،وأبرع في جمع أجزاء البيت، وأحلم بالتّفّاح في كفّ الصّغيرة بشرى حين يفتقدها التّفّاح، وحين يلجأ إلى فمها رغيف خبز قاسٍ وشربةُ ماءٍ ساخنـة في حرّ الصّيف، آه يا محمـد لو تعلم إني بنيت الكثيـر وهدمت الكثير، وكم احترقت في جبهتي الأفكـار، وأنا أضيع في أزقّـة المدينـة المقفرة... لا ضحكٌ... لا كلام.
- محمـود... !
أتفحص قسمات هذا الرجل الطيـب...وأرى ما يحدث من بعد... سيغادر بعد حين، وأنزوي إلى غربتي ومنفـاي.
- نعم...
- محمـود... أنا على يقيـن أنّك إنسان عظيم... توكّـل على الله...
لا أسمع إلا صوتا فاترًا يكاد يخنقـه البكاء، مشحونا بالكآبـة... وتحجّرت الدّمـوع...
- أستودعك الله.
يمشي في وقار، ويترك خلفه ضياعًا واقفـا ينظر إليه وهو يخطو الخطوة تلو الأخرى في هدوء، هكذا حدث يوم سافرت زينب تاركة خلفها جرحا فظيعـا لا يلتئم، وأنا أستوقف مراحل كثيرة من حياتي، وتستوقفنـي الذاكرة بكثير من ملاحظاتها المهمـة، ينبعث صوت زعيـق الحافلـة في كبريـاء وتسألني هـل تصعد؟ فأومئ لها بالقبول، تسير متثاقلـةً بهموم المسافرين الذين يعودون وقد لا يعودون، بعضهم يتأهّب وتناديه محطّة الشّوارع التي استقبلت أقدام الرّاجلين منذ ساعات طويلة،التّعب يكتب على وجهي حكايـة.....واستوقفتني المحطات بكثيرٍ من الأحداث وفي إحداها كان "جمال" و"زهر الدين" غارقيـن في دمائهما، والدم في كل مكان... هنا وهناك،وتروي المدينة كلها، أ نهما كانا من خيرة شبابها و أ نهما قاوما سفراء الجنازات بكل ما أوتيا من قوة لكن طعنـة الظهر تفوقت على نبلهما ورجولتهما، وكثيرًا ما كانت الرجولة تسقط برصاصة طائشة وطعنة في الظهر...
تناديني المحطـة القادمـة وأنا أ قرأ بعض همومـي الكثيرة، تتوقـف الذاكرة و أ جد نفسي في محطـة نزلت فيها خطأ...
-لم يحدث شيء، عليّ أن أتمرّن على المشي، فذلك أفيد للصحة، حسنا... توكّلتُ على الله...
في هذه المحطة بالذات، وقفت وزينـب منذ سنوات... ننتظر حافلـة تأتي بها السرعـة والوقت، كان المطر يغسل غبارًا تركته الريح، وأقدام الراجلين الذين استقبلتهم الشوارع منذ ساعات طوال، تخالط القطرات عباراتنـا وعبرات فرحتنـا...
ونحن نبكي في سعادة...نجلس إلى أحلامنا والأطفال تناديهم أجراس المدرسة، يصطدمون بنا ونحـن في محطّـة مهملـة، تحثّـهم على السّرعــة،نتأمّلهـم في هـدوء، وينبعث صوت موسيقى صاخبـة،استقرّ رأيها أن تبقى في تلك المحطة لبعض الوقت، وأنادي زينب:
- ربما أخطأنا في المحطّـة ، سننتقل إلى محطّـة أخرى.
نسير في هدوء وسكينـة ونحن نندد في قرارة ذواتنا بما آلت إليه الشوارع،أخيرًا وصلنا ... يستوقفنـا بعض الأطفال وهم يرتدون العباءات...
في ذلك اليوم شاهدنا الحقيقة، تحجّرت الدّموع في الأحداق، ونحن نحمل في ذواتنـا وهـج الحقيقـة المتعبـة، تتوقّف الذّاكرة...آه...لقد حدث هذا في محطّـة مهملـة، أمشي بخطى متثاقلـة، الأرض ترفضُ أن تطلقَ سراح قدميّ، أحاول أن أحقّق انتصاري،ولا زال أمامي وقت كاف كي أصل إلى الحيّ الجامعي... عشر طوابق لا تستوعبُ كلّ تلك العقول، وسوادها لا زال لم يستوعب الحكمة، ولازال لم يحفظ قصص المشايخ ، وصوت الموسيقى ينادي كل من هب ودب والصيحات تتعالى في عنف الكثير من التحايا، والكلمات البذيئة التي سمعتهـا من أفواه أطفال، لازالوا يسبحون في بحر خطايانـا، يا إلهي...هذا الصوت يجيء إلي كدويّ انفجارات عنيفة صاخبة وأنا المسافر في أطلال الذاكرة كانت الحكاية تأتي وتقول لي أني البعيد في الأزمنـة... وأحاول أن أكتب كل ما أستطيع من معان وأقول في نفسي: ربما كتبت بعضها خطأ، هي الذاكرة تقرأُ مـا دخل في دفاترها، النار والرماد والأطفال التائهون، وأعقاب السّجائر تمنحهم ضياعًا ينضاف إلى ضياعهم...
يزداد صوت الموسيقى عنفا وصخبا...
- محمود... !
صوتٌ يشدّني إلى سنّ الطّفولة وأنا ألعب بالتّراب، وأبنى بيتا صغيرًا من الطّين والحجر، كان ذلك شيئا رائعا، واليوم كبرنا على الطّين والأحجار، ولطعم الطين في أناملي حكاية، يتكرّر الصّوت ليقول لي:
- قم من هذا المكان، امنح هذا العمر حياة أخرى.
أقوم وأغيـر خارطة المكان لأجد نفسي بعيدا عن الأقدام والأصوات صوت خرير الماء وحفيف بعض الأوراق التي تخلّصت من خضرتهـا، فتخلصت منها الأشجار، وفي هذا المكان كنـت أرى العالم يتحرك في هدوء وسكينة، وكنت أرى ذاتي مسافرة في نبلها وصفائها، كنت أرى أصفيائي حين سقطوا، وذاقوا طعم الحمرة، ضحايا حرب عميـاء، وبعض النائمين استيقظوا على صوت المؤذن وأرى محمد، وهو يناضل بالجنون والأطفال وهم يجرون حاملين الألواح...البياض يعانق جباههم، والشمس تشرق في ملامحهم البريئة، وكل الأزقة تهتف وتبارك خطى كل القادمين.
تجلس الفوضى كعجوز تروى حكاياها في مكتبة مهملة، ويجلس إلى الكتب الغبار، كانت الأصوات تتعالى وتتناسل الصيحات... وتتحدث الفوضى على ألسنة الجالسين، وكنت أحس وكأني نقطة مبهمة، ربما كان علي أن استغل هذا الوقت الضائع في كتابـة شيء ما أو حتّى تذكّر ما فاتني....يجلس محمد في الذّاكـرة..
- إيـه آه يا محمد... ما أروعك... ما أتعسك... !
تجلس فاطمـة في صمت دائـم، تلعب بالتراب كمـا كنـت في طفولتـي. .. وتبني بيتـا صغيـرًا مـن الطّيـن والأحجار، وتتركـه دون سقف ودون باب وكأنها أرادت برحلتهـا الأبديـّة أن تترك لي فرصـة إتمـام ذلك البيت الطيني،يلزمني عمر آخر ومكان آخر وألف عام لو أستطيع أن أبنيـه كما أريد... السّاعة تصر على تجاوز الوقت، أحمل نفسي وأخرج، الشّمس تصدّرت السّماء، وبعض أسراب الطّيور يغرق في رحلته الشّمالية ويودّع هذه البقـاع.....
الشّمس تمشي على الماء... والغـروب...ما أجملنـي وهو ينظـر إلي، صورة فوتوغرافيـة لرجـلٍ يراقـب الغروب...يظهرُ ظلّـه... يتصّدر احمرار الشّمس وهـي تخلـدُ إلى الرّاحـة، وتبتسـم لأناس آخرين...وفيّـة هذه الشّمس...منذ خلقها المولى سبحانه وتعالى...وإلى ظل رجال يٍّ وقت الغروب كان المفترض...ظل امرأة...كانا جميلين...هادئين...كان ا حبيبين...هكذا...هو الغروب...
تعود إلى ذاكرتـي "الزّنزانـة" 2455 رواق المـوت، غرفـة الغـاز التي نام فيها "كاريـل شيسمان"...انتابنـي القلق...وقـت الغـروب...والمـوت فنـاءً في الحب والوفاء...الأمـر مشتـرك...فكرة المـوت...وأنا أفكـر في صباح مساء...كانت تنتابنـي حالـة نفسيـة عويصـة لم أستطع أن أفهمهـا...ارتعاشٌ في الجهـة اليسـرى من صدري...لا أقـوى على النّهـوض...
- زينـب...زينـب...
يأتـي أخي لإيقاظي، في بدايـة الأمر كان يخيّـل إلي أنه سمعنـي...اكتشفت أنني كنت أسمع نفسي في خلجاتـها...ولا يسمع الناس إلاّ الهمهمـات...هم نائمون لكنهم مستيقظون، وربما كانوا العكس...جميل هذا الغروب...وجهـان يلتقيـان ولا يلتقيـان...
وعدت، أقلّب دفتـر الذّكريـات، عندما أطفأتُ خمس شموع، تناولت كمّيـة لا بـأس بها من الغاز خطأ، وشعرت بالاختناق، قضيت أياما طويلة في المستشفى، وظنّ والديّ أنّني سأفارق الحياة،لم يُجد الطبّ نفعا، وكان على اطّلاع على الطبّ والوصفات الشّعبيـة، وبعون الله وتوفيقـه استعدت عافيتي، ومع تقدم العمر عاودتني تلك الحالات من الاختناق، عندما أخلدُ إلى النّوم، أشعر في تلك اللّحظات مرارة الألم، وقساوة الموت البطيء، ربمّا هذّبني الموت، فسامحت وكنتُ طيّبًا مع كلّ النّاس، أنا مع الموت دائما عندما أخلدُ إلى النّوم...كل ليلة...وقت القيلولـة...تنتابني تلك الحالة... فأحس بأنّ الحياة لا شيء..لا تساوي شيئا.
أنهض...أقلّب بصري في السّماء عندما ألقي بعينيّ عبر النّافـذة....
- الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النّشور.
وأشعر بتفاهة العالم...
- زينـب...لم أمت بعدُ.....
هي أمامي الآن.....
هاتان العينان تسلبان البحر زرقتـه...هكذا كان يبدو لي...لم أجرؤ على تفحّصهما جيّدا...أدركت أنهما سوداوين عندما عرفت أن شعرها يحاكي سواد الليل...وبقيت استرجع ملامح هذا الوجه...
كان الوجـه تكسوه الحمرة...وكثيرا ما كانت تخونني اللغة، فلا أستطيع وصفها...أنا الهارب منها...نحوها...إليها...وتهرب من شعري...لتسكن فيه...وأنـا أرى ظليـن يتأملان الغروب...تنزوي الشمس إلى وحدتها...تغرب عنهمـا لتشرق على حبيبيـن في انتظارها، وربّمـا تغرب على ظلّّيـن آخرين خلف هذه الجبال التي أمامهمـا...
- محمـود...
هذا الصّوت أعرفـه...هذا الصّوت هو أنا...يسكنني حبّها حتى الفناء...وكثيرا ما كانت تثيرني عبارة مهمّة : " أكثر مجانيـن الحب لم ي ت زوّجـوا بمـن أرادوا " ، لم أستوعـب العبارة جيّـدا، كانت تبدو لـي أنها عبارة اختصّت بقصـص معينـة...
أنا الهارب نحو القصة...نحوها...نحوي...نحن روح واحدة...نحو الغروب...وظلاّن...رجل وامرأة يراقبانه...اليد في اليد...مبتعدين عن بعضهما...متّحدين في روحيهما...القرآن بينهما، وخلفهمـا ثلاث أسر استقرت تراقب الغـروب...وتراقبهما...كانا جميلين في حيائهما...في عفافهما...كانا...لا أستطيع وصفهما...لقد كانا...
أنا الهارب من الغروب...نحوه...أراقب شمسًا في ثوبها العرسي... تـمشي على الماء، تتهادى كامرأة جميلة تسكن الغياب...كلما أجلس وحدي أراقب وداع الشمس، في انتظار زينـب...تتأخر بعض الوقت، أنظر إلى الساعة وأشك على أنها أضربت على الاعتداد بالزّمن،يهرب الوقت مني...وأهرب منه، يتلاشى، ويصبحُ الوقت ساعة قلبي،كنت على يقين أن دقيقة قلبي ثمانون ثانية...القلق...قلق الأسئلـة...
- تأخّرت على غير عادة...
...قـلــــق الانـتـظـــــــار....
- ت ُ راها ستشاهد هذا الغروب... ؟
وعلى الرغم من أنها احتفظت بصورة جميلة لهذا الغروب، عندما تمشي الشمس على الماء، فقد كان يبدو لي...أن غروب اليوم يختلـف عن غروب الأمس، لو كانا واحدا لاكتفينا بنظرة واحدة مدى العمر...
أطرقُ الباب...تفتـحه هـذه المرأة الطيبـة، ينتابني القلق...اعتادت زينـب أن تستقبلني...
- السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- وعليكم السّلام، كيف حالك وحال عائلتك؟
- بخير والحمد لله
- أين زينـب... ؟
- هي...هي...مريضة في الفراش.
لم استوعب نفسي، استأذن لرؤيتها، أدخل.........
تستفزني علب الدواء أمام رأسها، اكتشفت في ما بعد...أنّ "زوجتي" مريضـة...القلب يتعبها...ويتعبها القلب أيضا...
الوجه شاحب...شحوب الماء حين يعكس أشعة الشمس...أين ذلك الوجه الذي طالما كسته الحمرة...الوجه شاحب شحوب التاريخ.
- زينـب...
ترفع عين ي ها في هدوء...دمعة وابتسامة...ابتسامة فدمعة...أنا هارب نحوها...لأبحث فيها عنها...
- محمـود...
ينبعث صوتها في هدوء كعادته، صوتها المبحوح والمشحون بآلام التاريخ يصلني على غير عادة...
- زينـب...كيف حالك؟
- الحمد لله...
- بما تحسين؟
- الحمد لله...
ينبعث صوت خالتي "مريم":
- قال لنا الطبيب أنها مريضـة...تضخم القلب...
تهـوى الكلمـات علـى رأسـي، كذبـت علـى نفسـي أو ربمـا حاولـت إقنـاعهـا أنـها نوبـات قلـق أو بعض الآلام...لم أكـن أتصـور أو حتـى لا أتقبـل هـذه الفكـرة...
تجلس في المستشفـى...أزورهـا...وغالبا ما كنت أخـرج من غرفتهـا، ينتابنـي القلق عندما أصـل إلى البـاب الخارجـي، فأعـود لأتأكد أنهـا بخيـر، وأوهمهمـا بأننـي نسيت شيئا ما...أو أسألـها في مـا إذا كانت ترغب في قراءة كتـاب...
يصلني صوتها فاترا...فاترا أكثر..
أشدّ من أزرها.
- المؤمن مصاب..وما أحبّ الله عبدًا إلّا ابتلاه...
تبتسم...تشعر بالطمأنينة، ترتاح إلى ذلك، وكثيرا ما كنت أذهب لأسرد لها بعض مغامرات فارسها النبيل في الطفولة، مع سيارات شوماخر...والبيت الذي بنيناه من الطين والحجر...وتشرق...تشرق على ميناء قلبي، وبعض مغامراتي في الثكنة العسكرية، وعن جندي عوقب لخطأ ارتكبه، ي ضحك زملاؤه، وتنبعث أصواتهم:
- مرحـبًا "أرنولـد".
كان الجندي نحيفًا جدّا، ولذلك كانوا يعرّضون به ويسخرون حين ينادونه "أرنولد"، تضحك..نضحك...أودّعُها على أمل العودة، بينما يُرافقني صوت الخالة ودعاؤها وأنا أهمّ بالانصراف.
وتستوقفني ذكريات جميلة...يكسو البياض المدينة...ابتعدت زينـب عنّي حاملة كومةَ ثلجٍ وقذفت بها في اتجّاهي...أحاول أن يَصلني هذا البرد متظاهرا بغفلتي، وأوهمها على أنّها آذتني...
- أنا آسفة...لم أقصد...
فجأة...أخطف كومـة ثلجيـة.
- والآن...ما تريني فاعلا بك...
أتظاهر بقساوتي...
-لا أرجوك...
لا أستطيع أن أكون قاسِ عليهـا...هي جميلـة...قلبي لا يمنحنـي القسـاوة...بل يمنحنـي الهدوء والسكينـة...
على مقربة منا كان الأطفال يتقاذفون "بالبرد" يشعرون بحرارة الطّفولة...وبعض الناس يأخذون صورًا تذكارية...صور تذكارية...منعنا الحياء من صور تذكارية...
أغادر المستشفى، تحتضنني المدينـة... مقهى... النّاس يهربون من حياتهم...إلى حبيباتهم..."الدّومينو" يستفزّ الصمـت...قهـوة قاتمـة ارتشفهـا...تثيرنـي الفوضى...أغادر المكان...وأترك عشر دنانير ثمـن قهـوة قاتمـة شربتهـا...ولم أشربهـا...
المدينـة...هاربـة من صمتها...وأنا لا أتحمّل الفوضى والصخب...أحبّ الهدوء والسّكينة...أحبّ زينـب...
المطـر يقبل الأرض...تبتل ملابسي وتناديني سكة الحديد...أمشي في هدوء...يهطل المطر...ملابسي تبتلّ، ثم يناديني دفء البيت...أنا الهارب منه...نحـوه...
بيت من الطّين والحجر..كم هي جميلـة تلك الطفولـة......
تمشي في وقار، أفقـد كل اللّغـة، أهكذا يفعل بالإنسـان الحب؟ بلى وربمّـا أكثر، عندمـا يصبـح إنسانا بأتـم معنى الكلمـة, وقفـت...رفعت عينيهـا في هدوء...
- ما هذه الكآبـة ؟
- افتقدت أشياء كثيرة...
- بالتحديد؟
- أنت... وطني افتقدتـه، ضاع مني وضعت منه...
- لماذا تعودُ إلى البدايـة، ويتردّد فيك صـوت الحزن...
- نظرت إلى السمـاء.. بعض الطيـور تغادرُ هذه المدينـة.
- فقط لأني أبحث عن وطن، ثم أني أبحث عنك...
- أنا..؟.
- نعم، أنتِ، عندما نزل الحب إلى ميناء قلبي، لم يخطر ببالي أبدًا أنْ أصبح شاعرًا، فأحبك بكل شعري وإنسانيتي, ثم أني عندمـا أريدك وأبحث عنك،فأنـا بإخـلاصي أبحث عن قضيتي، وأريد رسـم معالم وطـن ما...
- زينـب... أتعرفين... أن أكثر المجانين من عاشوا الواقع، وصدمهم بالكثير من المتاعب.
- صحيح... حاول أن تتأقلـم مع الناس...
- أنا أفعل ذلك مرارًا،لكـن أيّ أناس تقصديـن؟ الناس الذين أعرفهم في مجتمعي أنـا أم المجتمع الذي نحن فيه الآن، الناس يتصارعون لأجل البقاء... وربما الكثير منهم يناضـل في الحياة، يعيش بصدق وإخلاص، يحتفظون بمفهوم الإنسان لكـن لا أعرفهـم؛ أنا مصدوم بمجتمع معقـد.. الصراع لأجل البقاء.
- وأنا في أي مجتمـع ؟
- زينـب.. أنت من مجتمعي أنا، جئنا إلى واقع الناس، أتقبلين هذا المجتمع؟
- لا... إطلاقا، لكن الشيطان لعنه الله يزيـن للناس أعمالهم، فيتصادم المصالح ويقع التناقـض...
- اللعنة على إبليس الملعون،تكبرّ فكلّف الناس أخطاءهُ، ووقف لهم بالمرصاد كلما أرادوا الخير، بدأ ينظر ويخطّط ليغر بني آدم.
- أخـرج أبوينـا من الجنـة...
- وأخرج كثيرا مما يحمل البشـر من معنـي الإنسان..
- لمن اتّبعوه...
- لا، بل لمن اتّبعهـم.. ثم اتبعـوه.
- نسأل الله أن يجعل خـير أعمالنـا خواتمهـا...
نظرت إلى هذا الإشراق في حياء وإباء
- أنت وضيئـة.. لنعد إلى حلمنا...
ابتسمت في حيـاء... وأومأت بالانصراف..
- زينـب متى أراك ؟.
- هذه نكتـة ؟.
- لا... إذا كانت نكتـة قد يكون حبّنا خرافة، قصة في مجتمـع لا يعتـرف بالعفـة، قد يكون حبنا نكتـة...
- تقول... نكتة ؟.
- نعم... نكتة..
- نكتة..... هكذا إذن......؟
قالت ذلك وانصرفت، صوت المؤذّن...

_________________
ينادي فؤادي بليل السكون
بدمع العيون برجع الصدي
لك الحمد اني حزين حزين
وجرحي يلون درب المدي
ولولا الهدي ربنا واليقين
لضاعت زهور الجراح سدي
جراح وماذا تكون الجراح
الليست جراحي هدايا القدر
اذا ما ارتضيت يطير الجناح
يكحل بالنور عين القمر
لك الحمد في الليل حتي الصباح
لك الحمد في الصبح حتي السحر
جراح مالي جراح سوي
ذنوبي فكيف اداوي الذنوب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://terkiya.3arabiyate.net
تركيه السوفيه
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 481
نقاط : 10759
السمعة : 13
تاريخ التسجيل : 10/07/2009
العمر : 25
الموقع : الجزائر

مُساهمةموضوع: رد: أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)   الثلاثاء 30 مارس 2010, 10:24 pm

أغنيةُ الزّمن الضّائع(2)

استفقت والعرق يتصبّب... وأقول... بل حلما، كان حلما... يا إلهي هذا أغرب ما مرّ بي.
ترحل...تترك الغروب...وثوب عرس تأمَلتـه في المحل، تترك البحـر وبيتـا صغيـرا بنيناه من الطين والحجر، كتب الإعلام الآلي...
تترك الحياة بكل آمالها وآلامها...المقبرة...فارغة من الأموات...المقبرة حياة...والحياة مقبرة...بينهما خطّ واضح...خّط القيم...
بعض المطر الخفيف...يحرسُ الخضرة...وذكرى امرأة فريدة... يحتفظ البحر بلون حجابها...
عينان سوداوين...تنامان في طمأنينـة، وعينان قلقتان...تنامان...لا .لا تنامـان...
- افتـح النافذة...
غرف المستشفى ساخنـة...أهم بفتحها.
- تريـث...
- افتح نافذة قلبك...
فهمت...الآن، عندما تكلمت الجغرافيا، أدركت قلق الأسئلة...وكان التاريخ هو الجواب...
قلقـة...في آخر أيامها...كانت تخفي أمرًا ما...
الحياة...ـ في تجربة ما ـ نكشف أنها...رحلة إلى هذا المفقود..، وفي مدينة تجلسُ على الرمل القرفُصاء، وصورة امرأة تطاردني...تشرق الابتسامة على الدّائرة الظليلة التي تحيط بعينيها... ويُعتم الدائرة الظليلة هذا المجهول الآتي...المجهول حاملا إليها...هدية...هدية الغياب، وغروبٍ كانت تنتظر ظِلاّ كي يراقبانه...يهب نسيم الغروب يُهدهدُ خمارها كطفل بريء...لا زال لم يعرف ما الغروب...يبحث عنه في فضول ساذج... خمارٌ فاتر الخضرة تنبعث منه صورة البدء...إنـه يشبـه قلبي...
تنبت بعض الزهور البرية بينها وبين الأحياء الآخرين..تنبت في طمأنينة، ويصرخ في وجه الحياة...هذا القدوم...هي...كزهرة برية بين صخور جبلية، صارخة فيها الأنوثة...تركتها...بدمعة ثم ابتسامة على أمل العودة... تجلس إلى مرضها...في غرفة دافئة...على الطّاولة بعض الفاكه ة .....
فجأة...ينزل خبر وفاتها عليّ كالصاعقة...ضعتُ...إلى الدّرجة التي فقدت فيها اللغة...خالتي"مريم"تبكي...يتقطع صوتهـا...بالشهيق...لطعم الدمع في عينيها حكايـة...
- (الله يرحمهـا ).
لم أستطع أن أقول شيئا... فقدت كل شيء...اللغـة امرأة خائنـة، عندما نحبها...تخوننا...لا تستطيع الوفاء لمشاعرنا...
بحرارة...يبكي الدّمع الدمع...أنا...لا أعرف...لم أتقبل ذلك منذ الوهلة الأولى...لكن...الأمر واضح...في بدية الرواق أسمع صوت خالتي "مريم"...
- نعم لقد...
تضع رأسها على صدر زينـب...
الموت تاريـخ والقبر جغرافيـا...ولا تتكلم الجغرافيـا إلاّ بإذن من التاريخ...الناس يبكون إلا أنا...أنا...لم أستوعب ذلك...
الكـفـن جـمـيـلٌ...بـعـدهـا...
صوت المقرئ ينبعث من بعيد...أجلس...أنظر إلى الأرض...إلى قلبي...إليها...بيني وبين الأرض حكاية طويلة...
الجـنـازة تمشي...وخطى العابرين...كلنا نعبر...نعبر الجغرافيا لندخل التاريخ، وربما ينادينا هو الآخر لنسكن الجغرافيـا...
المقبرة...صامتـة...الخضرة بين كل جغرافية، جميلة أروع من اللغة...هاربة مني دون رغبة...إلى آلامها...ثم رحلة الغياب
ينهال التراب على...على حبيبتي، التراب الذي لعبنا به...منذ الطّفولة...نلعب به الآن...أرميها بالتّراب...هكذا الجغرافيا...مكان تطرح فيه قضيـة التاريخ...
المقبرة صامتة...كصمتي في رحلة أبدي ـ ة...
الأحياء يسكنون المقبرة...والأموات يسكنون الدنيـا، والميت يقتل الميت...ويريد أن ينعم بموته لا حياته..، في فوضى الأشيـاء واللاّأشيـاء، تزاحم هدوئي رنات "نـوكيـا" لطفل مراهق أسفل العمارة...أهرب نحو الغروب...نحو الخضرة...وجهان يلتقيان ولا يلتقيـان، صورة امرأة فريدة...غريبـة...كغربتي...
كان البحر يجلس إليّ... وأحكـي له عن زينب... ويحكي لي عنها، أحدثه، كان يرفض ذلك... تضطرب أمواجه... ألهذه الدرجة أزعجه كلامي؟
قد يكون محقّا، لكنّه ضم المسافر ي ن الذين لم يعودوا، فلماذا يرفضني أنا بالذات؟ لماذا يرفض زينب؟ ألم نجلس إليه... في عفافنا وفي إبائنا..؟
احترقت في جبهتـي الأفكار.. لا أعرف، ربما أخطأت، لم أخطئ، أنا متأكد من ذلك، فرَرْت من المدينة كما فـرّ البحر...عندما جلس في الجانـب الشمـالي "لأرزيـو".
تعشق الأمـواج بعضهـا، تتتابـع في استمرار، تطارد بعضها، بينما تغادر إحدى السفن المينـاء... لقد غادرت السفينـة فعلاً...
ألـوّح بيـدي...
-أنا في انتظارك... عودي... ستجديني إن شاء الله في انتظارك... زينـب... أنا... أحبّك...
بعض المارّة يستغربون من ذلك... وحدي... أنا وحدي... وأتظاهر بأنني أغني، وأوهمهم على أنني شاعر يتمرّسُ على الإلقاء وليس مجنون زينـب...يضحك سواهـم والبعض غارق في التأمّـل...
أقوم وأغير خريطة المكـان لأبحث عن المكان، الجغرافيـا والتاريـخ شيء واحد،الجغرافيا مكان ولامكان والتّاريخ مكان، فكثيـرا ما يشدّني الذكريات إلى أمكنـة كانت ولازالت، وبعد مضي الوقت أكتشف أنها أصبحت اللاّمكان، الجغرافيا مدرسة،والتاريخ معلّم، وعندما ندخل لن عب ر ونجعل من التاريخ مدرسة نجد الجغرافيـا ترتـدي مئزرا في انتظار تلاميذها... فتوبّخُنـا على أننا جلسنا في مكان... هي تعتقد أنّه لا مكانا، بينما نجد أنفسنا في تلك اللّحظـة : لحظـة رفضهـا أو قبولها في صراع دائم..بين المكان واللاّمكان... البرد... يشعرُ بي.. وأشعر به... أنا الهارب منه نحو جغرافيـة امرأة...نحو المكان.. نحو ا ل ق ب ر..
- أنت جميلة... لا لست جميلـة... أيتها الهاربـة مني لتجدني في انتظارها... بل هي في انتظاري... هذا الدفء الذي ينام حيث العدالة... عالم الملائكة. الموت جميل جدّا... عندما نعرف أو نكون على يقين من أننا عبرنا مع من عبروا... حملوا الألواح في طفولتهم... واتّبعوا حشود الناس عندما ناداهم المسجد.. ينبعث المسك..ويبارك الزفاف خطى كلّ القادمين... الموت....لا موت أكبـر من اليأس،وعندما نحاول أن ننسى آلامنـا أو نفكر في طريقـة مُثْلَى للنّسيان...يكون الوقت قد أخذ منـّا الكثير.. ربّما أخذ سنوات من العمر.
- أخذت الكثير...ولازلت في انتظار فارسك النبيل..لم يملك إلا الحب والوفـاء.. ماذا يهديك في العيد...ماذا أهديك؟
تنتابني حيرة... أنامل هذا القبر...هنا... أنا... هنا...
تحتضنني المدينة... تقول أن الذين جابوا شوارعها متعبون...التعب الساكن منذ سنوات...أهرب منه... لأجده في انتظـاري...
تعقدت الحياة...وتناديني المحطة... بعض المسافريـن قد يعودون ولا يعودون...محطـة الشعراء امرأة واحدة أما الأخريـات فنسخـة تشبههـا إلى حدّ مـا... لا نعشـق إلا امرأة واحـدة...
المدينة غارقة في همومها، و تستفزني جغرافية الإنسان...القبر.... رأسي لا يطيقني،أحاول أن أنسى مـا فيـه...
- تنساني...؟
أعرف هذا الصوت... أعرف زينب أعرفها... يتوقّف الوقت ويصبح المكان اللاّمكان.. أنا الآن هناك...أنا الآن أسكن القبر الآن... والقبر يسكنني ولا يسكنني...
- هكذا قلت...؟
- افتح النّافذة.....
أهمُّ بفتحها وأسمع صوتها الرّخيم.....
- تريّث... افتـح نافـذة قلبـك...
العالم...أنا...زينـب...ذكرى حزينـة... كلّ شيء يختلط،نفسي لم تستوعبني لم أستوعبها...أهرب منها أخجل من أخطاء نساء ظفرن بركنٍ من زوايا ذاكرتي...أحاول أن أنسى...
وبيت صغير من الطين والحجر أمام شجـر البرتقال... الملح يلقّـن الطّفولة درسا في الحيـاة.. الملح يرافقني على امتداد العمر... أحاول أن أتملّصُ منه...لكن الحياة تعقدت،أتربّع على عرش ذكرياتـي..بينما تتذبذب في مخيلتـي أفكار كثيرة..
.

_________________
ينادي فؤادي بليل السكون
بدمع العيون برجع الصدي
لك الحمد اني حزين حزين
وجرحي يلون درب المدي
ولولا الهدي ربنا واليقين
لضاعت زهور الجراح سدي
جراح وماذا تكون الجراح
الليست جراحي هدايا القدر
اذا ما ارتضيت يطير الجناح
يكحل بالنور عين القمر
لك الحمد في الليل حتي الصباح
لك الحمد في الصبح حتي السحر
جراح مالي جراح سوي
ذنوبي فكيف اداوي الذنوب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://terkiya.3arabiyate.net
تركيه السوفيه
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 481
نقاط : 10759
السمعة : 13
تاريخ التسجيل : 10/07/2009
العمر : 25
الموقع : الجزائر

مُساهمةموضوع: رد: أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)   الثلاثاء 30 مارس 2010, 10:28 pm

المرأة التي صادفتها في مفترق الطّرق أمام محل المواد الغذائية...كانت هي، هي كانت من أبحث عنها...رأسي يؤلمني...
كان الرّمل يُصافـح وجهي بين الفينـة والأخرى، تمرّد وعبّر عن كرهه الأرض، فغادرها ليبحث عن مكان آخر ويتذكر حوافر الخيل، وأشراف القبائل البائـدة...هو الرّمل الذي يسكننـا، ويسكُنـنا صهيـل الخيـل...
كان الرمل وكانت الذّاكرة...وكنت أنا...والحصار...
كان الرمل يقبل الطين...وجه هذا الإنسان الذي يعيش على الذّكرى...كان يعيش على مأتم الخيل وقصائد العزاء...كان يجلس في زاوية مظلمة...أو بعيـدة...لا يكلم أحدًا إلا ّنادرًا...
يجلس والمنفى...يجلس والمساءات...ويتذكّر البحر...وحوريـة كان يحملها خمارها...
خطوة تتلوها خطوة، أسير والشّمس تشرق بداخلي، وأنا أرى أصفيائي في "جمعية جهينة الثقافية" هذه الجمعية التي كنت من بين أعضائها المؤسّسين سنة 1997، أذكر حورية...نادية...سعاد...نوال واللواتي حملن في عيونهن وجه الغريبات وحملـن الحقيقـة، وكنّ... لا أستطيع أن أصفهنّ......أذكر الشاعر إبراهيم بوشريحة ومحمد عقاد وكثيرون ممّن حمّلوا الكلمـة كل معاني الطيبـة وكل ما يعرف الإنسان من براءة الأطفال....
وكانت فاطمة...تجلس إلينا ونجلس إليها, كانت...كانت بحجم الدنيا...أذكر تلك الملامح جيدا ، ملامح امرأة تشبه زينب...امرأة ترحل في صمت...آخر نظرة...آخر ابتسامـة...آخر دمعـة...أعود بذاكرتي ألف عام إلى الوراء...وأسترجع ما فات...
وفي المستشفى...كانت الآلام تتجول كعجوز...وكان أنين البؤساء يسكنه منذ سنين طويلة...أفتح الباب في هدوء...في هدوء افتح الباب...الصمت يجلس على حبيبتي...الصمت عرشها منذ آلاف السنين...أذكر كيف كانت...لقد كانت...
- زينـب... !
ترفعُ عينيها في هدوء...وتبحث عن هذا القادم نحوها...الوجه يكسوه الشحوب...فجأة...ماتت...ماتت فجأة...زينب... ! أناديها مرة أخرى...لا جوا ب ..
ترفعُ عينيها السّوداوين...في هدوء... في هدوء ترفعُ عينيها السّوداوين...
-محمود... !
و أخيرا...ينبعث صوتها الرخيم في حزن وألم...
- لقد جئت...جئت أخيرا...
- الحمد لله...
- سنتزوج عما قريب إن شاء الله...
ابتسمت...ثم تغيرت ملامح وجهها...فجأة...
- زينب... ! ... ما الأمر..؟
دمعـة... فدمعـة فأخرى... الكلام...صعب... صعب هذا الكلام...
ماتت واحتفظت بدمعة... وعشت واحتفظت بدمعـة...
- زينـب... ما بك؟
- أنا...أنا...لا أستطيع... قد أموت في أية لحظة... !
- لا...لا تذكري ذلك إطلاقا...
شعرت بأن الموت فعلا في انتظارها...بل شعرت ب أ ن الموت في انتظار ي ..
زينب...هذه بعض الصور...لقد قمت بسحبها...
الصورة... تلو الأخرى...وابتسامة بريئة, براءة الأطفال...وبراءة هذا الحب...براءة الطيبين...
كان الألم يقاسمـهـا الحياة... كانت وضيئة... تصلّي... وتدعـو الله لي... بكلّ مـا يأمله الإنسان...ماتـت وتركت السّجادة... والمصحف لا زال كما كان... كما كان لا زال...
أعود...إلى المدينة... وقد تخلّصت من أقدام المسافريـن الذين يعودون وقد لا يعودون...تستحـمُّ المدينة بالظلام...الواحدة ليلاً...لا شيء غير الحلم المهرب في الظلام... بين الفينة والأخرى تمرُّ سيّارة الأجرة حاملة بعض المتعبين من هموم الحياة والغارقين في الشقـاء... وتنبعث موسيقى صاخبـة لبعض السّكارى... يا إلهي... لقد تحوّلت المدينـةُ على شبحٍ مخيف... لقد ماتتِ المدينـة...
القبر يناديني... لا أشعر إلا وأنا أمامه أتلو ما تيسر، هذا القبر... ما أجمله...لقد كانت جميلة... كانت كما...لا أستطيع الوصف...
كان يناديني نحو اللاّمنتهى... وأنا أجلس إليه... وأجلس إلى ذكرياتي واستحضر بعض الأسماء التي مرّت بها...تحركت في زواياها...وحين أقف على ما عَلِقَ فيها من ذكريات مؤلمة...أرى العالم شيئا آخر... القبر يناديني... وزينب تجلس في هذا الصّمت... صمت المحبّين المتعبين بالحكايـا...
- محمـود...
- نعم...
-كيف نسيت الهديّـة؟
خانتني اللّغة... فَرَّتِ الكلماتُ منّي... ما عدتُ أطيق الجواب...
- لقـد... !
- وعدتنـي... !
- نعـم....
أنا أبحث عن دواعٍ منطقية أبرّر بها هذا النِّسيان...لقد شُغلت بالبحث عن عمل كي أتمكن من الزّواج منها...
- محمـود... يتكرر الصوت...انتبهت من جنوني... فإذا بي أكلم ذاتي, واكلم هذا الجسد الجالس... منذ سنين... في هذا القبر...هذه المقبرة المهجورة...في معظم أيام الأسبوع...يرتادها ربما المحبـون من فقدوا ذويهم...وارتدتها وقد فقدت ذاتي... عندما ماتت أجمل امرأة على الكرة الأرضيـة.
للجنون في عمري حكاية... حكاية وردتين ، سكنت إحداهما قصر الأخرى, الصّمت يكتبني إنسانا للذين صادفوني وصادفتهم في ممرّات كثيرة....
في مدخل القريـة...كان الشّيخ يجلسُ في صمتـه، كنت أرى فيه شقـاء الفلاحين المتعبين، والمعذبين الذين لا زالوا يناضلون لأجل حياة أفضل ، ولأجل أبنائهم الذين لا زالوا يتراشقون بالحجارة، يتنفس الصّعداء...
لا زال يجلس إلى ذاكرته، وفي ملامحه ارتسمت صور المعاناة، لا شيء يستحق أن نندم عليه سوى التفكير في لقمة العيش...
في هذه اللّحظة تمرُّ سيارة آخر صيحة،انبعثت منها موسيقى صاخبـة ، ين ـ زعج الشيخ فيبدأ في إفراغ غضبه صارخا:
- قلّـة الحيـاء... قلّـة التّربيـة ، سبحانك يا ربي...
وكثيرا من الكلام الذي حفظته ، وأنا أشاهد هذه الطّرائف... والمواقـف الغريبـة، ولا شيء يضايقـه أكثر من سوء الأدب...
في الجانب الآخر من القرية صراخ نساء الحي، شجـار بين أطفال يتحول إلى شجار نس ـ اء، وربما يتح ـ و ّ ل بي ـ ن الرّجال أيضا، حين يعودون إلى منازلهم بعد عناء نهار طويـل، ويسمعون ما ح ـ دث:
طفل رمى صديقه بحجر فأصابه في العين، ولم تكن الإصابـة تستحق الكثير من الضّجة.
أغادر قرية لا زال أطفالهـا يتراشقون بالحجارة، وبعـض الشيوخ يجلسون أمام المسجد، يحكون على بطولاتهـم في ثورة التحريـر، سمعت منهم ذلك في كثير من الأوقات، لكنـي لم استطـع أن أهضم كل ما قالوا...كان بعضهم يحكي لي عن الثورة وعن التضحيـة،وحين كانوا يفترشون التراب ويتوسدون الحلفاء لتبقى آثارها على الوجـه في صباح اليوم الموالي، وكان بعضهم ينظر إلى المرآة ليكتشف فظاعة الحلفاء ، كان بعضهم يحكي لي عن المطر الذي غسل أبدانهم،ولم يجدوا نارا يجلسون إلى دفئها،وحرارة الكفاح أنستهم البرد والصقيع، كنت أقول بعد كل حكاية أسمعها: (الله يرحـم الشهداء واللي في القلـب في القلـب).
أغادر القرية...تحتضنني المدينة الفارغة، آهٍ أيتها المدينة، افتقدت فيك الكثير... أصفيائي الذين عبروا من هذه الأزقة الضيقـة وحين احتضنتهم الطرقات الشاسعة وأحلامهم البريئة...لقد سقطوا في المنعطفات.
أجلس لأرتشف قهوة قاتمة...ثم أخرج...والشوارع تعج بالناس... وتعجّ بالفوضى...بعض الأطفال الهاربين من هموم الكبار، يجرون في هذه الأزقة الضيقة، وكنت أرى في أحدهم زكريا... هذا الطفل البريء الحالم بالفجر والشمس... سبع سنوات كانت كافية لكي تجعل منه وضيئا...كان ينهض مع آذان الفجر في أحايين كثيرة, يصلي ثم يعود للنوم، وتحتضنه الشوارع في الصباح أيام العطل الأسبوعية ، وقد تعطّرت بمسك القادمين, وتهتف جدران هذه الديار وتبارك خطى المارّين... والباحثين عن البدء...، وبعض الأطفال يسرعون نحو الزوايا والمساجد حاملين الألواح ، وبعضا من الصّلصال، ويأخذنا الحنين أغنيات باليتامى الضائعين، ومشاهد أطفال لازالوا لم يكبروا بعدُ، وتجلسُ إلى براءتهم طاولات السّجائر ويسرق غبار الأقدام...بعض ملامحهم...
تلمحني فاطمة...تجري نحوي، أضمّها...انطفأت شمعتها الحادية عشر، وأذكر لعبها بالتراب...وجالسة إلى وحدتها، وكثيرا ما كانت تستهويها اللعب الجميلة التي أهدتها لها الطبيبة عندما أجرت عملية جراحية في فرنسا...
تكبر فاطمة ويكبر معها الحلم...تمشي هنا وهناك...تلعب...لكنّ لعبها كان متميزا، ليس كلعب الأطفال...كانت...تهتف باسمي...أعطيها بعض الحلوى، تناولها بسرعة، تتأملني بحزن..تنظر إليّ...في سذاجة الأطفال الذين يدفعهم الفضول...يريد أن تسمع صوت خالها...
يؤثر عليها المرض...تجلس في المستشفى، لا تقوى على الحراك...أدنو منها...أقبّلها...
تهتف في براءتها:
- خالي...
تتأمّلني طويلا...تنظر إلي في هدوء...زينب مرّت من هذا الطريق...عبرت هذا الرّواق...من هنا...هي هناك الآن...
فاطمة...يجلس إليها المرض...أذهب لرؤيتها...أحمل معي بعض الفاكهة، حبات الخوخ والعنب الذي لم يذق حلاوة فاطمة...
عينان حزينـتـان...كعينيْ زينـب...يجلس الشّحوب إلى وجههـا...تغيّرت ملامحها كثيرًا...تغيّرت ضحكات فاطمـة...وهدوء فاطمـة..لقد تغيّرت فاطمـة...
جلست طويلا...أداعبها...خانتني الذّاكرة...نسيت الكثير...بينما أهم بالانصراف...تتأملني...مشيت بضع خطوات، التفت، فيجلس زورق الحزن إلى ميناء قلبي...
الليل حالك...يُطوّقُ الظّلام أزقّـة المدينة...الثّانيـة صباحا، تغيب الحكايات مثلما يغيب وجه فاطمة... ويغيب الكلام، لم يبق إلا طيف يجوب شوارع المدينة... مدينة يسكنها ضجر المتعبين... في زمن اليتم والغربة الذي يسكن زوايا الذاكرة, حين سقطت منها عناوين رفاقي وأسمائهم برصاص الخيانة في المنعطفات الموحشة والطّرق الملتوية
فاطمة أطفأت إحدى عشرة شمعة... ثم انطفأت... شعرها الأصفر الناعم عيناها الخضراوين، ملامح وجهها الذي خطّ عليه الحزن والشّح ـ وب... كان المرض يأخذ بريق عينيه ـ ا شيئ ـ ا فشيئا،وصوتها يتضاءل حتى ما عدت أسمع إلا همس ـ ة محزنة كئيب ـ ة موحش ـ ة ، ما هذا الوجه الحزي ـ ن؟ وتضاريس الملامح المتعبة كتعب إفريقيـا السّمراء بنيران الحروب ال غ ري بـ ة... ما هذه الكآبـة في وجه طفل ـ ة يرسم عمق الجرح في الوطن الممتدِّ نحو الأف ـ ق البعيد
وتكبر فاطم ـ ة ويكبر الحلم، تمشي هنا وهناك، تلعب ولكن ليس ككل الأطفال, تهتف باسمي... أعطيها قطع الحلوى تتناولها بسرعـة...تتأمّلنـي بحزن عميق ووجه شاحب .... بسذاجـة الأطفـال.....
يؤثّـر عليها المرض...أجدها طريح ـ ة الفراش ، لا نقو ى على الحراك .... أدنو منها بهدوء ... أقبّلهـا:
- هل عرفتني فاطمـة؟
ترفعُ عينيها.....تنظر إليّ ......تتأمّلنـي طويلا:
- نعم عرفتـك...
تقول هذه الكلمات ثم تعود كما كانت... تعود كما كانت......
تغيبت أياما كثيرة عن تلك القريبة التي يتكلم الفقر فيها بإطناب، ويرسم الضياع ملامحه الكثيرة، لم يكن باستطاعتي أن أعود إلى البيت،صراع مع الوقت، العمل والدراسة يأخذان مني الكثير، حتى أني لم أك أخلد إلى النوم إلا بعد الثانية صباحا وأحيانا حتى الثالثة...كلفني ذلك أشياء كثيرة, تحملت ذلك وذهبت لرؤية تلك الطفلة البريئة... يكبر الجرح يوما بعد يوم ، أودّعُ جرح فاطمة... لأجد جرح فاطمة... تلك الحكاية التي لا تنتهي.
ازدادت حالتها سوءا ، وما عدت أسمع غير شهيق مبحوح وزفير يثير وهج الذاكرة ، وحرقتنا الموجعة،ولم أر عينين حزينتين كعينيْ فاطمـة ، سألتها ذات مرة بعدما أحضرت لها بعض الفاكهة:
- ماذا تريدين؟
أجابت بسذاجة الأطفال:
- أري ـ د أن أرت ـ اح.
وكان ذلك فلم يسعفها المرض طويلا.
لا زلت أذكر كل ما حدث في المرة الأخيرة ، وأذكر الطريق الطويل ـ ة ، كانت طريحة الفراش, اقتربت منها:
- فاطمة... أنا محمود، أحضرت لك حبات الخوخ والعنب.
رفعت رأسها قليلا... تأملتني وابتسمت في حزن ، ثم عادت كما كانت.
تغيّـر وجه فاطم ـ ة وبسمة فاطم ـ ة....لقد تغيّـرت فاطمـة...... لقد تغيّـرت.....
مازحتها طويلا وكانت تنظر إليّ في هدوء وطمأنينة، بينما كانت عيناها تضيق شيئا فشيئا، تأملتها طويلا، شعرت بعاصفة من الحزن، غريبة كغربتي ، قرأت في وجهها أن الموت يكتب أحرفه الأولى...
قلت لها حينذاك: ماذا أحضر لك؟
- لا ش ـ يء...
انبعث صوتها الفاتر من جديد وكأنه يحاول رسم الحياة من جديد، قبلتها وهممت بالخروج... رفعت يدها اليمنى ولوحت، لم أكن لأتوقع أنها التحية الأخيرة ، وبوجه شاحب وعينين حزينتين ما كنت أظن أنهما تقرآن فاتحة الحزن، وترسمان هول الفاجعة.
مشيت بضع خطوات، استدرت نحوها، تأملتها طويلا بطول سكة القطار، والتي كثيرا ما انحرفت عنها لأتركها لأناس آخرين.
خرجت وفي القلب جرح عميق ، وبدأ الليل ينشر أشرعته على المدين ـ ة، ويسكن الظ ـ لام أحيائه ـ ا العتيقة ، لتودع صخب الناس ، وكان لزاما عليّ أن أخلد إلى النوم بعد نهاية العمل... إنها الثانية صباحا وسأقوم للعمل بعد أربع ساعات فقط...
استفقت باكرا على غير العادة... وبينما كنت أتأهب للعمل جاء أحد أصدقائي:
- محمود والدتك تبحث عنك.
- سآتي حالا…
بعد بضع ثوان خرجت، فإذا بي أقرأ فاتحة الحزن وهول الفاجعة،اقتربت منها…لم تستطع الكلام …وأخيرا اختصرت كل شيء وقالت:
- لقد مات ت ....
- إنـّا لله وإنّـا إليــه راجعــون.
رفعت رأسي إلى السماء… أحاول تخفيف لوعتنا الموجعة, التحقت بمصلحة حفظ الجثث لألقي آخر نظرة عليها… دخلت بهدوء وكما كنت أحاول أن لا أوقظها ، اقتربت ونزعت الغطاء ، وجهها كان أكثر شحوبا… هذه المرة كانت آخر النظرات...
بين يديه ـ ا الصّغيرتي ـ ن كانت دائما تمسك زجاج ـ ة عطر تلعب بها…
ذلك اليوم الأسود في تاريخي ، احتفظت بذكرى حزينة وحرقة موجعة… ذلك اليوم قلت لها:
- فاطمة هل أكلت حبّات الخوخ والعنب؟ هل أكلتِ حبّات الحلوى؟
اكتشفت بعدها أنها لم تأكل شيئا،ولكنها كانت تتطلع بعينين كئيبتين إلى الأفق... في ذلك اليوم كأن فاطمة شاءت أن تترك لي زجاجة عطـر…
هل نامت فاطم ـ ة...هي متعب ـ ة من كل شيء...
السّادسة صباحا يصلني خبر وفاتها كالصّاعقة...هذا الجسد...هذا التراب...بل فاطم ـ ة...في الضّف ـ ة الأخرى...
الجو الجنائزي...على امتداد الطريق...المقبرة...اليوم الآخر...المكان يحدد المكان من المكان أو اللامكان...نحن الهاربون نحوه...في اللحظة التي نفكر أننا هاربون إلى الحياة، ربّما نجد الموت في انتظارنا...وتنام زينب هناك منذ سنوات...افتقدتها...ربما ارتاحت..لقد كانت... كانت الحياة...
تنام فاطمة في هدوء... وفي المقبرة أسمع ضحكاتها، صراخها... تطاردني فاطمة وبراءة فاطمة... كانت تكبر ويكبر الحلم معها... يلعبُ التّرابُ بيديها...كانت بريئـة...جميلـة...كانت جميلـة...
ابتسامـة...تخفي دمعـة وأنا أغادر المستشفى...بقيت حبّـات الخوخ والعنب على حالـها...
وبقيت بعض الورود على طاولة حبيبتي، ذبلت...الورود ليست جميلة...بعد الفراغ...أكبر من اللغ ـ ة امرأة عندما أراها أرى فيها الغربة،والغياب يجلس في الشوارع التي طالما ضّمتنا، والمحل الذي كان يعرض ثوب العرس، والبحرُ يشت ـ اقُ إلي، البحر يسكنني، قلق الأسئلة...حيرة الجواب لامرأة تؤثر أن تحتفظ بآلامها لنفسها...بينما تشرق بابتسامة...كشمس يمشى على الماء ساعة الغروب، وظلاّن يراقبانه...
تغيب...وأجدها في عيون الجميلات اللائي صادفتهن...لسن مثله ـ ا...امرأة واح ـ دة متميّزة...خديجـة، ستصبح طبيب ـ ة..."لا تغلقي الباب خلف ـ ك...لا تذهب ـ ي في الغياب"...
أنا الهارب نحو البدء، والعابر وحدي شارع مدينة فارغة جوفاء.
- أكرهها المدينة...أحبّها...أحبّها...أحبّ هذه المحطـة...أحب هذا المكان؛ ظلان...ينتظران حافلة يأتي بها الوقت، تستفزّنا بعض الموسيقى الصّاخبة...نغادر اللامكان...يستوقفنا الأطفال الهاربون من المدرسـة...ومنها...نحن الهاربـون من الصّخب ومن فوضـى الأشيـاء واللاّأشيـاء...الموت تاريخ والقبر جغرافيـا، وعندما يتكلم التاريـخ تضبطـه الجغرافيـا بالوقت.
الموت جغرافيـة حزينـة...حين يرافق الغي ، اب امرأة فريدة في أنوثتها... في إنسانيتها. ....
وبين التاريخ والجغرافيـا...يقف الإنسان فجـأة...ليبحث في قرارتـه عن مفهوم الإنسان...
محمود...زينـب...صوتان يتقطعـان...للدموع طعم الملح القاسي...وروحان ات ّ حدتا في اللاّآن...أنا الآن هناك، أنا الآن أسكن القبر الآن والقبـر يسكنني، تثيرني حالتي الصّحّية، تطرح كثيرا من الأسئلـة...ارتعاشٌ في الجهة اليسرى من صدري، منذ زمن بعيد، ضيق في التنفّس...أكاد أختنـق،وأشكُّ أنّني...لن أرى أحدا في الغد...لكنّهم سيحملونني على أكتافهم...نحو حبيبتي...أمام قبره ـ ا...حبيبين في الحيـاة...مخلصين...وحبيبين في هذه المقبرة...تحابا في الله...أفتح عيني...لازلت على قيد الحيـاة:
- الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النّشور
الموت جميـل جدّا...عندما يأتي فجأةً...مؤلـم بمواعيده التي ربما نضعهـا أو نتصور أنها تأتي...لكنه الخوف القلـق المستمر... ويسكن الذّات هذا الحلم والأمل الجامح في بحر الحيـاة...وسجادة جميلـة... آه يا دفء السجادة ما أروعـك...

_________________
ينادي فؤادي بليل السكون
بدمع العيون برجع الصدي
لك الحمد اني حزين حزين
وجرحي يلون درب المدي
ولولا الهدي ربنا واليقين
لضاعت زهور الجراح سدي
جراح وماذا تكون الجراح
الليست جراحي هدايا القدر
اذا ما ارتضيت يطير الجناح
يكحل بالنور عين القمر
لك الحمد في الليل حتي الصباح
لك الحمد في الصبح حتي السحر
جراح مالي جراح سوي
ذنوبي فكيف اداوي الذنوب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://terkiya.3arabiyate.net
تركيه السوفيه
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 481
نقاط : 10759
السمعة : 13
تاريخ التسجيل : 10/07/2009
العمر : 25
الموقع : الجزائر

مُساهمةموضوع: رد: أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)   الثلاثاء 30 مارس 2010, 10:31 pm

في تلك المقبرة...كان الصّمت يجلس في وقار، كان القبـر يشدّني إلى البدء...حيث الرّمل وحوافر الخيل، والعالم يشرق على الشَّمس، ويسمعُنـي الصّوت دائمـا وأنا أعْبُرُ أمام مسجد المدينة أو مسجد القرية التي لازال أهلها ينعمون بالبساطـة ولازال أطفالها يلعبـون بالتّراب ويتراشقون بالحجارة، ويرحّب الزّقاق بكل القادمين، وأنا أغادر العالم لأجلس في تلك المقبرة، أجلس إلى هذا القبر...أسترجع ما مضى من حياتي..
- آه أيّهـا الب ـ دء، آه أيّها المسـك الذي ينـام في التّراب ...... ويبقـى في انبعاثـه دائم ـ ا كل ّ مـا دخلت المسجد أو مررت من أمام ـ ه...
المقهى فارغـة من الصّمت، تجلس إليها همـوم الناس وأتعابهم ومشاكلهم اليوميـة، وبعض السّخرية من فلان وفلانة، وكثير من الغيبـة والنميمـة...أنا أعرفها جيّدا، كثير ما يجلس النقد الهـدام إليها، وتبقى فلان وفلانـة أحاديث روّاد المقاهـي.
وكل ّ ما سنحت الفرصـة أذهب لأتمشّـى...تمرّ أمامي جميلة، امرأة في ربيع عمرها...هذا الخمار السماوي، هذا الوجـه المشرق، تتابعها عيونـي في اطمئنان وقلـق، ثم أغضّ بصري، كانت زوجتـي...حسب ما كان يبدو لي في المستقبل، غير أنني كنت أغير الخريطـة وأقلبُ المفاهيم..وأعود لأقول في نفسي...
صحيح...يبدو أنها إنسانة طيبـة...جميلـة...لكنـي الهارب منها، لأبحث عنها في بلدة بعيدة، حيث تمشي خديجة في وقار، ستصبح طبيبـة إن شاء الله...أنا أحتـفظ بصورة زينـب...وتسكن الذاكرة كل الوجوه التي سارت في تلك الجنازة...
- محمـود...
- نعـم...
- الفراغ يقتلني، ويقتلني الفراغ، هذا الصّوت أعرفه، أعرف زينب أعرفها، يتوّقف الوقت، ويصبح المكان اللامكان، أنا الآن هناك، أنا الآن أسكن القبر والقبر يسكنني...
عاش معي الموت مدّة طويلة، و كانت تنتابني حالة لا أستطيع وصفها، ضيق في التنفس، وارتعاشٌ شديدٌ في الجهة اليسرى من صدري، وأصرخ...كنت أقول أنني سأموت في أية لحظة، لذلك كنت أحاول أن أ كون عادلا مع الناس، وربما لم أفعل ذلك، ربمّا ظلمتهم في أيّام مرضـي، واليوم تنتابني حالة قلق دائم، لن أسامح نفسي، قد أجد لها مبرّرات منطقيـة،لم أكن على ما يرام، الله يعلم أنني ما قصدت ذلك، لقد كنت خارجا عن عالمهم...وأعيش في عالمهم، من يفهم ذلك...لا يهم...كل ما في الأمر أننّي أسعى دائما لإصلاح أخطائي غير المقصودة...
ينبعث صوت في داخلي يشّدني إلى عمر الطفولة وأنا ابني بيتا صغيرا من الطين والحجر، ويلاحقه الخوف..
- من هذا القادم...، شخص يُخّيل لي أنّه إرهابي...السلاح جاهز للرّمي، أنزع المؤمّن، أتتبّع خطواته، أراه يتعثّرُ بالأحجار، ينظر يمينا ويسارا...إرهابي تائه دون شك، إنه يحمل سلاحا...تراودني الكثير من الشّكـوك...أي نوع من الأسلحة، آلي نصف آلي، ساطور، سيف، لا... أظن "كلاشينكوف"، أتابع حركاته إنه يُسرع إنه قادم نحوي...يبحث عني، وأكتشف أن كل شكوكي خارجة عن الواقع...فلاح يحمل قوت يومـه...تجلس الشمس على كتفيه منذ شهور، ابيضّ قميصه الأزرق، وأضحك من خوفي ومن نفسي...كل يوم على هذه الحال، وأحاول دائما أن أقنع نفسي، لم يبق الإرهاب، وأحمد الله على أنني لم أصادفهم، كانت صورهم المعروضة "للبيع" في التسعينيات تثير الغضب والخوف والشفقة، غضب من هذا الضياع والجهل والخوف لمجرد الإطلاع على اللافتات "المزايدة" والشفقة على الإنسان الذي مات في ذواتهم، أشفق عليهم من الغباء والجهل...على كل شيء.
وأنا مهدّد بالموت، في أية لحظة.. عندما أعود إلى البيت...أجده في انتظاري، القرية هادئة...وبعد منتصف الليل...وقع أقدام كثيرة...
- من أين يأتون؟ سأموت، ربما يكونون على علم بأنني التحقت بالثكنة العسكرية للنقل، ربما...يا إلهي...أنا بحاجة إلى سلاح، أدافع عن نفسي وعن عائلتي...
النّاس يهربون من أنفسهم ومن بعضهم،كلّ واحد يشكُّ في ظلّه، يحذر أن يمسّهم بسوء، الآذان تحمل كل شيء والألسنة تقول كل ما كان وما لم يكن...ويأتي الموت هدية جميلـة...في ليلة مظلمة، بالنسبة للذين عاشوا الحرمان والشقاء.
- زينب...
- محمود...
- لقد اشتقت إلي ك ...
تخفض رأسها في هدوء...لم تقل ذلك، فهمت من حركاتها... تتململ،كأنها تريد أن تقول ذلك، حياؤهـا يمنعهـا مـن الكـلام...
- لستِ جميلـة...
أقول ذلك،بينما تعتريها موجـة من الغضب، تحاول أن تخفي ذلك، أنا أعرف أنها غاضبـة ....
ملامح وجهها تحمل ثورة من الغضب...أسمعها تهمس:
- أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم...
أخيرا تأكدت أنها غاضبة، تحاول أن تبحث عن جواب: لست جميلة...تنظر إلي في هدوء...تغلبت على غضبها....
- كيف... ألستُ جميلـة ؟
- بل...أكثر من ذلك، إلى الدّرجة التي لا أستطيع الوصف...
تتنهّد...تنظر إلى السّماء، هي تعرف أنّها هي، وهي تعرف أنّها ليست هي، بل هي تعرف أنّها هي بالذات، وهي تعرف أنني أنا...وأنا أنا...لا أكون في لحظـة قلقٍ أنـا، لكنها متأكدة من أنّني أنا...فربّـما كانت عندها فكرة...وتحتفظ بمجتمع كالذي أحتفظ بـه...
- زينب كيف حالك...
- أحمد الله عز ّوجل...
أتأمل هذه الشمس المشرقة على حياتنا، وعلى روحينا، أنا أعرف أن الشمس تغار...من حبيبتي...بل تغار من هذه الطيب ـ ة...والتي لا تشرق إلا على الطيبيـن، وربما لم أكن منهم عندما أتصفح أخطائي الكثيرة، ظلمت وسرقت وكذبت...أعترف يذلك، ربما ظلمت في أيام مرضي، كان الخوف والوسواس يغيّران الكثير م ـ ما احتفظت به منذ سنين طويلة، وديسمبر ألفين و أربعـة ، بدأت رحلة المرض...وبدأت أركن ُ إلى الجو الجنائزي، أنا المحم ـ ول على النعش، هل يسامحن ـ ي الن ـ اس؟..هل يدركون أنني لست أنـا، ومنذ بدايات شهر ديسمبر، بدأ السّحر يتفاعل مع الخوف الذي يسكنني منذ سنوات الجمر، والخوف من الحياة الأخرى بعد الموت، وربما أكون سرق ـ ت، بل أنا متأك ـ د من ذلك، سرقتُ دموع الحائرين والمغبونين،وسرقتُ آلام الناس لأمنحهم كلمة طيبـة صادقـة، نصيحة ما...دعاءً بظاهر الغيب...واحتفظتُ لنفسي بالألم...منذ سنين طوال، وطالما ذكّرتْني بقول صديقي الأستاذ خروبي: ننشد للناس آلامنا فيصفّقون، ما أسعدهم، وما أتعسنـا...
وظلت هذه العبارة تتردّد في أذنيّ مرات كثيرة، وربمّا كذبت في الإص ـ لاح بين الناس أو لدرء ضرر أكبر، وربّما لمصلحة معين ـ ة، مصلحة الناس دون أن أعرف من هم، لا يهم...لقد كان ذلك لأجلهم...وربّما أموت اليوم أو غدا أو بعده، المهم في ذلك كانت نيتي حسنـة صادقـة...
- صادقة...أنت...في هذه النظرات...حتى عندما تجلسين إلى صمتك...تخفض رأسها في هدوء...لا تستطيع أن ترفع رأسها...هذا الحياء يجعلني أترك العالم...وأترك كل شيء...وكثيرا ما كنت أقف أمام قبرها...وأرثي الحياء...صحيح...أن الكثيرات لازلن مثلها...لا لسن مثلها، لكن يحتفظن بحيائهن وعفّتهن في زمن العولمة واقتصاد السّوق.. و"دايو"، والقنوات التي أسمع عنها...أنا بعيد عن معرفتها جيّدا، أظنّها قنوات سفلية، لأنني اعتدت على قناة "اليتيمة" في زمن "الأكل الخفيف"...حصة واحدة كانت تهمني، أنا بحاج ـ ة إلى ابتسامـة، وتأتي "الفهامـة" لتحمل إلي بعض الفرحـة، وأبقى أتذكرها طيلة الأسبوع.
تداخلت المفاهيم في زمن العولمة...يا إلهي...يأخذني الحنين إلى اللّوح والصلصال وحفظ القرآن الكريم...والجلوس على الحصير، ورغيف خبز وماء وضحكة جميلة مع الذين يحملون الطيبة...مع الإنسان، وربّما على هذا الفرار من الصعود إلى الأسفل، دخلت علم الهاتف النقّال، ضرورة من ضروريات الحياة...ما أتعسنـا...
- ما أتعسني...
أفكر في خطبتها، تتمنّع...أنا أعرف أن هناك آخر، من يكون...؟
وتدور الأفكار في رأسي، أحسُ بالغثيان، أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، القلق...الخوف يجلسان إلى قلبي...
- لا، لا يمكن ذلك...زينب من النوع الذي يموت ويبقي الوفاء...ويبقي الفضيلة...وبعد الجنازة اكتشفت أنها كانت مريض ـ ة، يا إلهي، كل هذا الحب على امتداد العمر وأخفت ذلك...تخفي أنّ آلام قلبها كانت أكبر من لغتها، وكنت أحسّ أنّ شيئا ما يحدث...واسترجعت بعض الأدلـة على أنها كانت مريضة فعلا...عندما سكنت المستشفى...وفي الرواق كان اليتم يطوف غُرَفـه، وآلام المتعبين الذين لا يجدون ثمن الدّواء...
"الزنزان ـ ة 2455، رواق الموت"، والغرفـة الخامسة أيضـا، رواق الح ـ ب ثم الموت...الشيء نفسه...أنا متعب من العالم، أريد أن أستريح...إلى جنبك في هذا القب ـ ر...
وأنا أدخل المدرج، تشدّ انتباهي النافذة المفتوحـة على ذكرياتي، أغيب بعض الوقت، تعتريني حالـة من القلـق، أنا الهارب منهم لأبحـث عنهـم...
- محمود...افتح النافـذة...
تشعر بضيق، هكذا كان يبدو لي...لكن الأمر على غير ما تصوّرت، أهمُّ بفتحهـا...
- تريّث...
- نافذة قلبك...على الحيـاة...
تصيبني الدّهشة من هذه الفلسفـة، لم أتعوّد على هذه اللغـة...
- سأموت...
الدّهشـة تعترينـي، أنـا الهارب من آلامي...متاعبي اليوميـة، إلى آلامي وأنا أقـف أتأمل هذه الروح الزكية، تجلس والدتـها تبكي بحرارة... تبكـي...لقد عرفت أنّها كانت ترى ما لم أَكُنْ أرى...
- لا...هذا غير ممكن...الأعمار بيد الله عزّ وجل...الصّبر يا زينـب، إن الله عزّ وجل ما أحبّ عبدًا إلاّ ابتلاه، وتلوت قوله تعالى:
] واستعينوا بالصّبر والصّلاة، وإنها لكبيرةٌ إلاّ على الخاشعين [
- صدق الله العظيم..
تقول ذلك...ولازالت الدّموع تتكلم في عينيها.
أنا الهارب يا زينب، من ذاتي لأبحث عنها...أنت أنا، نحن روح واحدة.
- محمـود...
هذا الصوت أعرفه، أعرف زينب أعرفها، يتوقف الوقت...ويصبح المكان اللامكان، أنا الآن هناك...أنا الآن أسكن القبر الآن، والقبر يسكنني ولا يسكنني...
ويسكنن ـ ي الشّع ـ ر...أحاول أن أنس ـ ى، لكنّني لا أستطيع، أنساها...هكذا أرادت،كانت تدرك أنها ستموت،كان الشّعر في معاملاتي...في كلّ شيء، وأعود إلى ذكرياتي في أيام مرضي...حينما عُقِدَت أمسية شعرية، وقرأت قصيدة، وفي ختام الأمسية طُلب مني أن أختمها بقصيدة، كنت أريد أن أقرأ شيئا في الغزل، لكنني لم أستطع، اعتراني شعور غريب، فجأة بدأت أقرأ جزءًا مـن سـورة يوسف عليه السّلام...
هكذا كان يحدثنـي ضميري، أختم القرآن الكريـم، كي يبارك الله عزّ وجل هذه الأمسية فتتلوها أمسيات أخرى...
أنا الهارب من العالـم، لأبحث عنه وسط زملائي وطلبتي، أنا أحبهم دون استثنـاء، وربما لم أكن أحب أحدًا ما، ولم أكن أكرهُه لكن أحترمه...أحترم فيـه الإنسان.
الفراغ يقتل الإنسان، على الرغم من أنني كنت أحاول أن أكذب على نفسي وأحاول إقناعها أنه على أن أقوم بتخريج المادة العلمية وتنقيح مؤلفاتي، ممّا سّبب لي الإجهاد والتعب، كنت أفرّ من المدينـة إلى الطبيعة، أنا بحاجة إلى هدوء، أنسى الرمز والأسطورة وأنسى علم الأسلوب، واتخذت أسلوبًا معينا في الحياة، أريد بعض الصّمت والهدوء؛ قهـوة تقاسم الحليب هذا الكأس، بينما تتربع المقهى كعروس جميلة في هذه الحديقة، ما أجملها...أهرب من همومي وبعض الذكريات المؤلمـة، لأجدها أمامي، في انتظاري، وفي انتظاري امرأة جميلة... مثل...لا أعرف .. كل ما في الأمر أ نَّها...لا أستطيع وصفها...
هي صورة زينب أجدها أمامي في عيون الجميلات اللائي صادفتهن...ابتسام ـ ة رائع ـ ة كشمس تسطع خلف غيمات الخريف، بينما تهب زوبعة رملية تطاردني وتقول: غُض من بصرك...
أنا الهارب من لغتـي لأبحث فيهـا عنها، وأفر منها لأجد لغة أخرى، لغـة القلوب..أنا يتيم... بحاجة إلى حب...
الفراغ العاطفي في الواقع المعيش، بعيد عني، بل أنا بعيد عن ـ ه، وتسكن المخيلـة امرأة...هي زوجتي توقظني لنصلي الفجر...وابنتي "أسماء" تتباهى بحجابها، أطول من قامتها...هي تريده هكذا، وحاولت إقناعها بأنها صغيرة جدّا...خمس سنوات، ستصبح الإنسان...على أن أخاها عبد الحميد كثيرا ما كان يزعجها عندما يتباهى أنه حفظ السّورة الفلانيـة، فتذهب إلى اللّوحة وتبدأ بالحفظ.
تخرج أسماء تلعب،حذّرتها من ذلك...بعض الحمقى يدفعهم الجنون إلى الإفراط في السرعة...هذه السيارات المجنونة بجنون أصحابها تهدي الحزن إلى من يجلس الفرح في بيوتهم...
صوت مكابح السيارة...في لحظة خاطفة، يدقّ الباب ابني غارق ا في البكاء...أنا أسمع صوته من بعيد.
- أسماء...
قبل أن يكمل الكلام...لا زال صوت مكابح السيارة في أذني...أصرخ، تأتي والدتي لإيقاظي...
- أين أسماء؟
تنظر إلي مستغربـة، ثم أخجل...يا إلهي...كلّ ذلك كان حلما، ربما ظنّت أنها امرأة كنت أحبها...فعلا...لقد كانت وغادرت المكان...كلّ ذلك كان حلما مزعجا...
تحتضنني المدينة...أمر أمام المحطة، تستوقفني بعض ذكرياتها...
- محمـود
أسمـعُ هذا الصّوت...وأعرف صاحبتـه...
واقفان...كوردتين...يمرّ أمامنا شيخٌ كبير وزوجتـه..ننظر إليهما...ثم ننظر إلى بعضنا ونخفض رأسينا في حياء...
- زينـب...هل سمعت ماذا قال هذا الشيخ لزوجته...؟
- لا...ماذا قال ؟
- تغزّل بها...واستشهد بقول نزار قباني:
قولي أحبّكَ كيْ تزيدَ وسامتي
منْ غيرِ حبّكِ لا أكونُ جميلا
تغرقُ زينـب في البكاء لكثرة ما ضحكت...تسألني:
- وماذا قالت له.
- لقد قالت...قالت: أبَعدَ هذا العمر ؟ وأية وسامة...
- ربما كانت محقّـة.
- لا...قد تكون وسامة الحكمة.
- ربّما...الرأي كما قلت.
أغادر المحطة...كانت محطة مهملة، كثيرا ما أثارتنا بعض الموسيقى الصّاخبة، وغادرناها تاركين الفوضى لأصحابها، بينما يمرّ أمامنا بعض الأطفال حاملين الألواح...ويناديهم المسجد...
كل ذلك كان...وكان كل ذلك ذكرى...
قب ي ل صلاة المغرب كنت منشغلا بتخريج المادّة العلمية في نظام البطاقات، وكنت أقضي أكثر من خمس ساعات في البحث والعمل، ثم أعود إلى تصفّح مؤلّفاتي بترجمـة مقال أو إعداد دراسة نقدية،واستمر الحال على هذه الوتيرة، وذات مساء، شعرت بضيق شديد، وبدأت أسمع أصواتا كثيرة تتحدث عنّي، وكأن امرأة تراقبني، و أ سمع صوتها وهي تصْرخ، ويحاول إسكاتها رجل كان برفقتها، ويشير عليها مرارا بأن تسكت كي يتسنى لهما مراقبتي فلا أشعر بذلك، واستمر الحال...ولا زالت أصوات الدّف تتردد في أذني مرات كثيرة، وجمع غفير يغني، يحدث كل ذلك ونافذتي مغلقة.
وفي إحدى الليالي عندما كنت أقوم الليل فأصلي وأدعو الله عزّ وجل أن أرى النبي صلى الله عليه وسلّم مرة أخرى، إذا بي أسمع صوت رجل يتحدث إلى أصحابه قائلا:
- هيه...يقوم الليل، لماذا؟ ألا يكفيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرّة واحدة...ألا يكفيه من قراءة القرآن...صباح مساء...كثير...هذا كثير، يجلس فيقرأ، يمشي فيقرأ.
ويومئ إليه أصحابه بأنهم سينتقمون منّي..
وكنت أسمع أصواتهم فأجيبهم:
- نعم أقرأ القرآن في كل وقت...كل حرف حسنة، فهذا مبدئي، لن أغيّر شيئا بإذن الله.
- أرأيتم...لقد قلت لكم بأنه يسمعنا، سأبرهن لكم على أنه يرانا الآن على الرغم من أنه بعيد عنا ونافذته مغلقة ، هاهو يضع يده اليمنى تحت وجهه ويقرأ الوِرد...دائما على هذه الحال.
ويسأله أصحابه: كيف تُبرهن على أنّـه يسمعنـا؟
- سأقرأ سورة يوسف ويبدأ في القراءة...أنا متأكد من ذلك.
- ] الر، تلك آيات الكتاب المبين [
- أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم أواصل. بسم الله الرحمن الرحيم: ] إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لَعَلَكُم تعقلُون [
ثمّ يقرأ:
- ] نحنُ نَقُصُّ عَلَيكََ أَحسَنَ القصَص بما أَوحَينا إلَيك هَذا القُرآن وإن كُنتَ من قَبله لَمنَ الغَافلين [
فأواصل
- ] إذْ قال يُوسُف لأبيهِ يا أَبتِ إني رأيتُ أَحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمر رأيتهمْ لي ساجدين [
ثم يقرأ:
] قال يا بنيَّ لا تَقصُص رُؤياكَ عَلَى إخوتكَ فَيَكيدُوا لَكَ كَيدَا، إنَّ الشَّيطانَ للإنسانِ عدوٌّ مبين [ .
وأُغرقُ في البكاء...أبكي بحرارة ثم أقول: صدق الله العظيم.
أنا أراهم الآن، أسمعهـم جيّـدا... وأسمـعُ صوت ذلك الرجل الذي كان يقرأ معي سورة يوسـف يقول لأصحابه:
- لماذا يبكي...عندما يصل عند هذه الآية: لأنه ارتكب حماقة كبرى، لقد قصّ رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم، على من ليسوا ب ثقـة.
- نعم...فعلت...أنا نادمٌ على ذلك.
وكنت أقرأ سورة يوسف وأبكي في حرارة...وعندما أصل إلى هذه الآية أكاد أصاب بالإغماء...لقد كنت...لا أستطيع أن أصف تلك الأيام العصيبة من حياتي.
وجاءت الجمعة...ذهبت إلى السوق على الرغم من أنّني لم أرها منذ زمن بعيد لانشغالي بالبحوث العلمية، ثم أنّني كنت عادة ما أزورها لاقتناء الكتب النادرة أو القديمة، وفي تلك الجمعة اشتريت ((تفسير الأحلام)) لابن سيرين (رحمه الله)، وعدت إلى البيت، وقفت عند رؤيا الرّسول (صلى الله عليه وسلم): «من رآه فقد رآه، لأنّ الشّيطان لا يتمثّل به» نعم، ربما لسبب واحد أنني أنجزت رسالة الماجستير حول موضوع ((المراثي النّبوية في صدر الإسلام))، وعدت أقلب صفحات الكتاب، واستوقفتني عبارة مهمة كنت في أمس الحاجة إليها منذ زمن بعيد (لا تقصُّ الرُّؤية إلاّ على لبيب أو حبيب) وأجهشت في البكاء.
اعتدنا صلاة الجمع ـ ة في مسجد السّلام بح ـ ي 400 مسكن، رافقني الأستاذ العربي لعروسي إلى المسجد، صلينا واتصلنا بإبراهي ـ م، هذا الرّجل الطيّب، الذّي شعرت منذ الوهلة الأولى أنني أعرفه منذ سنوات، ارتأى أن يقوم بالرّقية الشّرعية يوم السبت مسـاءً.
وفي الليل قمت بتحضير كل أعمالي والاستعداد ليوم جدي ـ د، نمت في ساعة متأخرّة كعادتي، غير أنني كنت أتظاهر بالنوم...كنت أتكلّم عن العالم الآخر...وفي الصّباح حملتُ محفظتي قصد الذّهاب للجامعة...فجأة...أحسست بصداع...وعندما استفقت، بدأت أنظرُ إلى الحاضرين...يا لها من كارثة، ماذا فعل ـ ت: أنا الآن في سيارة الأجرة في اتجاه مسقط رأسي...لم أن ـ م...من ـ ذ. .. ..لا أذك ـ ر...لم آك ـ ل شيئ ـ ا...منذ...لا أعرف، تذكّرت...كان كلّ أكلي ملعقة من عسل"الشفاء"، وقراءة القرآن فقط.
كنت جالسا في آخر مقعد كعادتي في أية رحلة كي يتسنّى لي النوم...وأمامي شيخ كبير، كنت أنظر إليه وأحدّثُ نفسي:
- أنا شيطان وهذا عيسى (عليه السلام)، لا بل عزرائيل سيقبض روحي، علي أن أذهب إلى قبر آدم (عليه السّلام) وأسجد...وفي الوقت نفسه، كنت أسمع الضّجيج والفوضى...لم أسمعها من قبل...أسمعُ أصوات سكّان "ورقلة" وقد ثارت الفتنة...سمعتهم يقولون: لقد قال لنا الشّاعر سيقتربُ كوكب من الأرض ويسكنُ الخوفُ الناس وتكون فتنة كبيرة، والحرب القادمة ستكون بين 1426 و1430هـ، ويتوفى ملك السعودية. ...
كنت أسمعهم يقولون:
- ربما هذه هي القيامة...
وبعضهم يستغفر الله على ما اقترفه... بعضهم يقول:
- يا رب اغفر لي...لقد كنت أشرب الخمر دائما.
والآخر:
يا رب أتوب إليك، ما صلّيتُ طوال حياتي.
وصوت آخر:
يا رب...غفرانك..لقد زنيت.
وآخرون: يا رب نتوب إليك، من الغناء وسماع القينات...وأحدّث نفسي وأقول: ] وزيّنَ لَهُم الشَّيطَانُ أَعمَالَهُم [ .
الطّريق والرّحلة نحو الآخر...رحلةُ استكشاف، وكثيرًا ما كنتُ أقف على أخطاء المجتمع لأتفاداها، أرى الناس يتصرّفون بحماقة وغباء لا أجد أي وصف لهما...وأترفّع عن المجتمع الذي لازال لم يَرقَ إلى عالم المثل، وربما كنت اصطدمت بالواقع، لأنني احتفظت بمجتمع مثالي مطلق كنت أتخيّله بل كنت أعيشه...الطّيبة والتسامح، بل روح الإنسان، وكان صعب علي أن أتأقلم مع هذا التّناقض الصّارخ.
وهي امرأة تسكن ذاكرتي، هي زينب...لازالت كما هي في وضاءتها وفي عفّتها...وكنت أبحث عن شريكة لحياتي...خرساء...صمّاء...ويتيمة، لقد وجدتها...توفّرت فيها بعض المواصفات، وأقنعت نفسي أخيرا بأن المرأة التي يراها الشاعر غير التي في الواقع... أخيرا حسمت أمري...
خديجـة... صورة زينب ستصبح طبيبة عمّا قريب... وعبر رحلتي نحو مسقط رأسي كنت أبرئ نفسي، وأعتذر لطلبتي وزملائي في العمل، كنت أسمعهم ويسمعونني.
- أعتذر إذا أخطـأت أو ظلمـت أحدًا، تأكّدوا أن ذلك دون قصد... أنـا أحبّكم، وربمـا كنت قاسٍ معكـم فلأجلكم...لأجل نجاحكم...نجاحكم ثمرة تعبـي وتعب زملائي الذين ربما أكون أخطأت أو ظلمتهم...ربما...لا أعرف... أنا مريض...سأموت...سامحوني...اذكروني بخير...سأموت، سأرتـاح أخيرا...
وكلام كثير...نسيت بعضه واسترجعتُ بعضه، ذلك أنني كتبتـه في رسائل وداع...أوصيت الأستاذ العربي لعروسي بتسليمها إلى زملائي وطلبتي...
واستوقفتني أحداث كثيرة...زين ـ ب ماتت، فاطم ـ ة تزوجت، وفاطم ـ ة أيضا تزوجت، وخديجة إن شاء الله في انتظاري...أنا القادم...لا أعرف...هل من عالم الجن ون ، وتذكرت ما رأيتـه أو ما تهيـأ لي ذات ليلة: رأيت رجلا داخل غرفتي يطوف فيها، ودار عشر دورات في لمح البصر ... سألته:
- ماذا يحدث؟
- لا تخف، لن أمسّك بسوء، كلُّ ما في الأمر أنَّ امرأةً اسمها "فتيحة" هي التي وضعت السّحر.
وفي اللّيلة الموالية...رأيت الكثير...لقد فعل السّحر مفعول ـ ه...وبدأت أص ـ رخ وجاء الدكتور "شيخ ـ ي" لإيقاظ ـ ي، وحكيت له عمّا حدث لي تأكد أنني أحتاج إلى رقية...وحكى لي ذات م ـ رة أنني دخلت الغرف ـ ة لمشاهدة "اليتيمة"، بدأت أنظر إلى الجدران وأضحك ثم أغرق في البكاء...
كنت أقرأ القرآن، وغالبا ما كنت استحضر صوت الشيخ العجم ـ ي وأتابع مع ـ ه أية سورة أحفظه ـ ا، لا يذهب الوقت هباءً، وكنت أقرأ سورة يوسف عليه السّلام ثلاث إلى خمس مرات في اليوم، وأبكي بحرارة وأقول : واحزني عليك يا يوسف، واحزني عليك....
ازدادت حالتي سوءًا...لا أستطيع وصفها... وعبر هذه الرّحلة نحو مسقط رأسي كنت أستحضر بعض ما حفظته من شعر...
إقامات الغريب بكل أرض كبنيان القصور على الرّياح
يهبّ الريح تنهدم ال مباني لقد عزم الغريب على الرّواح
وقول الشاعر:
ولا تجزع لحادثـة الليالي فكل مصيبـة يأتي منتهاهـا
وأسمع صوت طلبتي وكل الذين أعرفهم يتكلّمون كما لو كانوا أمامي:
لي فـي محبتكم شهود أربـعٌ وشهود كـل قضّيـة اثنـان
خفقان قلبي واضطراب جوارحي ونحول جسمي وانعقاد لساني
وتحملنا الحقائب نحو أغوار مجهولـة...للبحث عن أغنية بريئـة...
أخيرا غرداي ـ ة تفتح ذراعيه ـ ا، تحتضنن ـ ا بكل سع ـ ة صدر، وتدعونا لتناول وجبة غداء...لكني لم آكل شيئا منذ أربعة أيام...هذا اليوم الرابع، تفتح ذراعيها...تلك الجميلة وتخبرني أن الكثيرين لا يزالون يتعبون ويحملون البدء والرحلة نحو الشمس...
جميلـة غردايـة كامرأة تبتسم في ربيع عمرها...كعذراء جميلـة، تودّعنا...وتبتسم لنا مدن أخرى الأغواط، البيض ثم المشريـة...
يمشي الليل نحونا وقت الغروب،وانتهى جزء كبير من الرّحلة عمّي "الحبيب" هذا الشّاعر الإنسان، يفتحُ البيت ذراعيه...أجد "زكريا" هذا الطفل الحالم، ويخبرني كعادته أنه حفظ سورة... وأجلس إلى عمّي...أحكي له عن الحرب القادم ـ ة... وأنني سأموت، الأمن العسكري يطاردني...أنا أسمعهم الآن...لا بل الإرهاب يتتبّعون خطواتي، سيقتلونني، أنا بحاجة إلى سلاح...أيّا كان...لا يهم، المهم...أن أسقط برصاصة ساخنـة...الخوف يسكنني على امتداد أشهر...لقد نسيته لفترة وجيزة، عندما كنت أحسّ بالموت وأنا أعمل في مكان بعيد..
الخوف من ك ـ ل ش ـ يء... السّلاح... الرّصاص... المُؤمّ ـ ن، الأظرفـة الفارغـة، طلقـة فطلق ـ ة فأخ ـ رى ي ـ ا الهي، دوامة...وامتدَّ الخوف والقلق ليشملا كلّ حياتي، لقد التحقت بالثّكنـة العسكريـة للنّقل والمرور...ونظرا لظروفي الصّحية وجدت نفسي في رحلة بدءٍ أخرى.
حكيت له عن زينب...عن كل شيء...لقد كنت مريضا، وأي إنسان سيفارق الحياة يفعل الشيء نفسه، يطلب المسامحة ويكتب وصية وغير ذلك...
وسواس فقط أو سحر وعين هكذا كان يبدو لي، محمد مرَّ بهذه التّجربة حتّى احتضنه العالم الآخر...وأنا بالطّريقة نفسها...يا إلهي...ماذا يحدث في العالم.
وعندما اتّجَهتُ نحو مسقط رأسي وجدت العائلة في انتظاري...لا أعرف ماذا حدث، تعرّفت على عائلتي...هذه بشرى الصّغيرة وهذا عبد الكريم، ومحمد...، عرفتهم بصعوبة... الحمد لله.
كان يسكنني الخوف من الموت منذ سنوات والقلق، أعلم أنني سأموت وإذا قدّر لي أن أموت، فالأجدر أن أموت برصاصـة ساخنـة...
واستمرّ الخوف...أنا بحاجـة إلى سلاح...وحكايا كثيرة تتردّد في ذاكرتي، فلان كان إنسانا بمعنى الكلمة طُعن في الظهر، فلان كان لا يؤذي أحدا..قتل، فلان مات مخمورا...وبين كل هذه الحكايات كن ـ ت أعيش هذا القلق والخوف، الخوف من طعنة غادرة، أعلم أنني سأموت، أفضّل أن أُطعن في القلب والعين تحدّق في العي ـ ن، والخوف من الحي ـ اة الأخرى، فلان مات بطعنـة في الظّهر..
وأدعو الله عزّ وجل بأن يجعل خير أعمالنا خواتمها...ويطمئنّ قلبي عندما أتذكّر أنني رأيت الرّسول صلى الله عليه وسلم، إنّها سعادة لا توصف...
أذكُرُ جيّدا ما حدث...لقد بدأت أخلط الأوراق...بدأت أقولُ أيّ كلام، وكثيرًا ما كنت أعاقبُ طلبتي وأنا في أيام عصيبة من مرضي، لضجيج أثاروه أو عندما يقومون بأي تصرّف، وبخاصة عندما أكون أشرح المحاضرة ومركزّا على الأمور المهمة، استدعي الطالبة أسألها:
- هل رأيت الرّسول صلى الله عليه وسلم؟
- لا...
- إذن ستخرجين إن شاء الله، وعندما ترين الرسول صلى الله عليه وسلم آذن لك بالدّخول.
تنصرف في هدوء وأعود إلى المحاضرة...وأنا بين عالمين، عالم البشر والعالم الآخر... أسمع ضوضاء كبيرة...أ ُ خرج ُ بعض الطلبة...وي ن صرفون...وبعدما استرجعت ُ عافيتي... اكتشفت أن الفوضى لم تكن من عالم البشر ، ربّما ظلمت دون قصد...آه أيُّها الإنسان الطّيب...ما أتعسك.
اتصلت بصديقي "بغداد"...واستأجرنا سيارة سياحية، وتبدأ الرحلة في اتجاه الجنوب الغربي إلى"الشلالة"، الثامنة مساء في هذه المدينة... آه يا تلمسان الجميلة افتقدتك، لي فيك ذكريات ما أجملها...فاطمة وفاطمة ثم فاطمة، وبعض الأسماء لا زالت عالقة في الذاكرة...أطيب الناس يكتبون أسماءهم في ذاكرتنا، ونحتفظ بها إلى آخر العمر، وأقبح الناس يفعلون كذلك، لكننا نحاول أن نمحو أسماءهم، وكثيرا ما تتقزز نفوسنا لمجرد تذكرهم...
حلّ الظّلام...وصلنا إلى"النعامـة"...الواحدة ليلاً...الهدوء يغازل المدينة ويلاحق شوارعها العتيقة...ننام في السيارة، وعلى مقربة منا أمن الولاية، نحتاج إلى الأمن، لسنا بحاجة إلى المتاعب، ولا إلى من يطردُ هذا الهدوء...وبين الفينة والأخرى أسمع صوت سيارة تمرّ تغازل هذا الطريق المعبّد...
بدأ الظلام يودّع المدينة في هدوء، ويغادر في هدوء المدينة، بدأت تتخلص من شرودها ليبدأ شرود الناس، وتحتضنهم الشوارع، هؤلاء المتعبون بالرحيل، والمتعبون بالبحث عن لقمة العيش.
"الشلالة"...جلست بعيدا...هناك بين الجبال البركانية، جلست بعيدا عن (عين الصفراء)، آثرت الهدوء واستقرت بنحو سبعين كلم، وفي هذه المدينة...الحياة لون آخر اكتشفته بعد الرقي ـ ة...لم نجد الح ـ اج''لَعْـرَج''، لكن كان ابن ـ ه محمد في انتظارنا ، احتفظ بصورة والده في كرمه وطيبته...أنا أبحث عن هؤلاء الناس...في بساطتهم، في عفويتهم وفي براءتهم، قام بالرقية، ون ِ م ْ ت ُ بعض الوقت بينما بقي بغداد ومحمد يتحدثان، لقد اشتاقا إلى أيام الصّيد والبندقية...
انتظرنا الحاج لعرج لكنّه لم يعد...وعدنا إلى تلمسان نحمل هذه الابتسامة، وفي الطريق كنت أضحك... من كل شيء من العالم...من نفسي، من الوصايا التي تركتها...وتذكرت...
- يا إلهي ماذا فعلت، عليَّ أن أنهي ورطةً كبيرة.
واتصلت بالأستاذ العربي لعروسي.
- السّلام عليكم ورحمة الله
- وعليكم السّلام.
- يا أستاذ في ما يخصّ الكتب
- سأتبرع بها لمكتبة المسجد.
- لا...
- ماذا هناك.؟
- أنا بحاجة إليها للتحضير للدكتوراه، سأتبرّعُ بها لاحقا.
ووعدت ـ ه...وحمدت الله على ما أولاه لي من نعم ـ ة العافي ـ ة، وعلى ما أولاه لي من الصب ـ ر على ما أكره.
وكثيرا ما كنت أسجد سجود السهو القبلي والبعدي، وأعيد الوضوء وتذكرت، أنا شيطان...
ماذا فعلت، لقد ساعدت الكثيرين...أستغفر الله، بل كان ذلك ممّا يمليه عليّ واجبي، ثم أن مجرد كتاب أمنحه قصد إفادة طلبتي به أو زملائي فهو صدقة جارية...لقد نصحت...لا، بل ذلك من أساس الدين : الدين المعامل ـ ة والدين النصيح ـ ة، وبدأت أبني ثم أهدم، بدأت الأوراق تختلط...اختلط كل شيء.
لقد أوصيت طلبتي بالتواضع والصبر وأمور كثيرة...وبعدما انقضت عطلة الربيـع، عدت إلى ورقلـة...وفي إحدى المحاضرات ابتسمت وبدأت أنظـر إلى طلبتي، وانبعث صوتي في عفوية :
- الحياة جميل ـ ة...
ربّما فهموا شيئا ما...ولم يفهموا...أنا الذي حملته الحقائب نحو عالم آخر وكان متيقنًا أنّه سيموت، وغالبا ما كانت فكرة الموت أقف عندها في تحليل أية قصيـدة قبيل انتهاء المحاضرة، والآن نفتح لهم باب الأمل، الحياة جميلة...فعلا... الحياة جميلة.
يجلس البيت في الس ّ ـ م اء...الطابق الثاني، كثيرا ما كان يتعبني سلم العمارة عندما أعود متعبا في آخر النهار...أخرج...حي (324 مسكن) شبه فارغ...إلاّ من بعض المصليـن الذين آثروا صلاة العصر في المسجـد على المشي وتضييع الوقت...هكذا هم دائما...من المسجد إلى البيت...
بعد الصّلاة...أبحث عن طبيعـة هادئـة...لا شيء...تتوق نفسي إلى الهدوء والخضرة ومنظر الغروب...عندما تمشي الشمس على الماء كعروس في ثوبها البلوري...وظّلان يراقبانه في سكينـة...وأعود بخيبـة أمل...حين يجلس الرمل في كل الأمكنـة...إنه يشبه لون ظـرف إداري فارغ...
يمرّ جاري إبراهيم في هدوء...في وقـار...في حكمـة...لا نحسّ به...ينبعث صوتـه:
- السّلام عليكم ورحمة الله.
- وعليكم السّلام...
نجلس إلى طيبته ويجلس إلى قلوبنا...ويمضي...في هدوء...في وقار...في حكمة...
حي الشّرفة...عتيقٌ هذا الحي...يجلسُ كما لو كان يرفض المدينة...أمرّ وحيدا...يتيما... و أمامي صورة امرأة تختزنها الذاكرة... أحاول نسيانها...تناسيها...هي الهاربة منّي في ظلال الغياب، في فضاء الضّفاف الأخرى، وبينما أتذكّرُ ظلين يتأملان الغياب...تشدّ انتباهي امرأة جميلـة...الحجاب في لونه البحري...تثيرني ابتسامتها...لغة عينيها...جميلة...هي جغرافيـا وأنا تاريـخ.
المرأة خريطة...مكان...والرّجل حدود المكان في التاريـخ...لو كان تاريخا واحدا...يضيع منها المكـان...
أحاول أن أقنع نفسي أنها ليست هي...أنـا في انتظار امرأة تسكن حدود الخريطـة في جهتها الغربيّـة...
تهبُّ زوبعـةٌ رمليّـةٌ خفيفـة...يصافح الرّمل وجهي قائـلا:
- غضّ البصر...
أضحك في نفسي...من العالم...ومن امرأة جميلة مرّت في حي الشّرفة العتيق لتشتري بعض الخبز...
امرأة جميلة تُتعبُهـا الحياة...تحملُ الخبز وتمشي في هدوء ووقار...في الجهة الأخرى من الحي...يمتدّ الطّريق الرّئيسي إلى "بامنديل"، يجلس بعض الشباب إلى المحطـة...ينتظرون "النّقل الحضري"، بعضهم ربمّا يبحث عن حلم...عن امرأة جميلة......يبحث عن المكان...عن الجغرافيـا.
ظلاّن ينتظران حافلة يأتي بها الوقت، تستفزّنا موسيقى صاخبة...نُغيّر خريطة حبّنا...نغادر اللاّمكان... كانت ذكرى... المقاهي في هذا الحي تجلس إلى هموم الناس وأتعابهم، ينبعث دخان أبيض من أفواه الناس... ثم من فم المقهى...أرتشف قهوة تُقاسمُ الحليب هذا الحب، وعصير البرتقال...ويعتريني دخـان أبيض...ينبعثُ من الأفواه في اتجاه... الهموم...في اتجاه الباب الرّئيسي, تنبعثُ فوضى الناس... طبعي هادئ... أكره الصخب...أغادر...نحو البيت....
الحياة في شكل خماسي... الجامعة...البيت...المسجد... المقهى... المطعم... متعبة... الفراغ يسكن قلبي...السكينة والهدوء يجلسان إليه...ينبعث صوت الشيخ العجمي أو الغامدي، وتعتريني موجة من الغضب،عندما أتذكر "الشيخ العجمي"، السّور ليست كاملة باستثناء بعض السّور القصار...
يثير أعصابي طفلٌ مراهـق في أسفل الطّابـق...يجر ّبُ مع صديقـه رنات "نوكيا"، كم قاسيـة تلك الرّنات ، تخترق الآذان...أُلقي بعينيَّ عبر النّافذة لا أراهما، وأعود لأمشي في البيت كالمجنـون وأقول في نفسي: أَمَا كان له أن يجرّبَ ذلك في غير هذا الوقت.
السّبـت حزيـن وجميل في آن واحـد....أذكر عندما غادرت المدينـة...أنا ذاهـب إلى المـوت...بل هـو في انتظاري...تاركا خلفي رسائل وداع إلى كلّ الذيـن أحبّهـم...
السّبـت جميـل...وأنا استقبلُ هذه الوجوه النيّرة...أدخل المـدرّج....
- السّلام عليكم ورحمـة الله.
يردّون السّـلام...
البسملـة والصّلاة والسّلام على النّبي ثم:
- اللّعنـةُ عليكمْ جميعًا...
ينظرون في دهشـة...
- هو عنوان عمل أدبي...، ورُحت أشرح لهم فكرة التمّرد والثّورة، والخروج عن المألوف، ثم درجت على ثورة بشار وأبي نواس في الشعر العباسي...
الحياة في شكل خماسي...متعبة...الفراغ...امرأة غائبة دائما...وامرأة تغيب لبعض الوقت...أتذكرها هي ليست جميلة... هي أكبر من لغتي...تثيرني قصيدة الأرض لمحمود درويش وصرخة أيوب لسميح القاسم:
"خديجة... لا تغلقي الباب خلفك... لا تذهبي في الغياب"
أكرّرُ هذا المقطع مرات كثيرة...، تستوقفُني كلماتها...تصلني...
- عندما أنهي دراستي...
كالصّاعقة تهوي الكلمات على رأسي...، أحبّها...لكنَّ العمر يمضي...يمضي العمر...
الغياب يسكن الذاكرة عينان سوداوين وحجابٌ في زرقـة البحر...، وتجلس بعض الزّخارف من الورود على أطراف الخمار...تحـرّكُ هذا الشّوق ذكرى...ظلاّن يقفان أمام المحل، تتأمّل زينـب ثوب العرس...تنظرُ إلي... تبتسم...ونغادر في انتظـار الغـد...
أمضي...أراقب الغروب...في انتظار امرأة...تتأمل معي هذا السّكون...عندما تمشي الشّمسُ على الماء...في ثوبها البلَّوري...في انتظار زينـب أخرى....
منقول من تأليف أحمد حاجي رواية أغنية الزمن الضايع

_________________
ينادي فؤادي بليل السكون
بدمع العيون برجع الصدي
لك الحمد اني حزين حزين
وجرحي يلون درب المدي
ولولا الهدي ربنا واليقين
لضاعت زهور الجراح سدي
جراح وماذا تكون الجراح
الليست جراحي هدايا القدر
اذا ما ارتضيت يطير الجناح
يكحل بالنور عين القمر
لك الحمد في الليل حتي الصباح
لك الحمد في الصبح حتي السحر
جراح مالي جراح سوي
ذنوبي فكيف اداوي الذنوب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://terkiya.3arabiyate.net
 
أغنيةُ الزّمن الضّائع(1)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تركية السوفية :: دردشه و فرفشه-
انتقل الى: