تركية السوفية
إدارة و أعضاء منتدى تركية السوفية ترحب بكل زائر يتفضل و يقوم بزيارته .
نرحب بكم بأجمل عبارات الترحيب و باعذب الكلمات و بأحلى الألحان و بأرق التحيات بالحب و السعادة و الأمن و الأمان و لكم كل المحبة و المودة و السعادة و السرور

تركية السوفية

تبادل المعلومات و الخبرات بين جميع الفئات للفائده و الإستفاده .شكرا
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي أحمد بن عبيد نموذجا(*)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فراشة سوف
مشرف ذهبي
مشرف ذهبي
avatar

عدد المساهمات : 6031
نقاط : 39629
السمعة : 171
تاريخ التسجيل : 11/07/2009
العمر : 26
الموقع : وادي سوف*الجزائر

مُساهمةموضوع: بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي أحمد بن عبيد نموذجا(*)    السبت 21 يناير 2012, 2:08 pm

بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي
أحمد بن عبيد نموذجا(*) د. مسعود وقاد


لقد عملت طائفة من الشعراء والنقاد منذ القرن السابع عشر على إشاعة نموذج من الشعر يميل إلى البساطة في مستوى الصور والتراكيب اللغوية. ومن الطبيعي أنّ الشعر إذا مال نحو البساطة في مستواه التخييلي واللغوي فإنّه «عادة ما يقلّل من انحرافه عن العرف اللغوي، وتضيق زاوية إزاحة اللغة، لتقترب اللغة من مستوى اللغة التداولية دون أن تتطابق معها»([1]). وذلك بتقليص المسافة بين اللغة الشعرية المؤسَّسة –أصلا- على الانزياح، واللغة التداولية. وقد كان "صاموئيل جونسن" من أوائل الذين حاولوا تعريف هذا النوع من الشعر السهل، إذ رأى أنّه «ذلك الشعر الذي يكون في التعبير عن الأفكار الطبيعية دون (إرغام اللغة) إذ إنّ اللغة قد تلاقي إرغاما بفعل تعبيرات خشنة، حيث تربط أكثر الأفكار تنافرا تحت نير ذلك الإرغام»([2]). وهذا الإرغام أو العنف المنظّم الذي يمارسه الشعراء ضدّ اللغة هو الذي أدّى في مراحل أخرى متأخّرة إلى ظهور الشعار الذي رفعه أنصار الحداثة بأنّ الشعر ليس جماهيريا، بل نخبوي. وبذلك لم يعد إرغاما للغة وحدها وإنّما هو عنف مورس في حقّ الجمهور المتلقّي أيضا.


وقد كانت البداية الحقّة للالتفات إلى لغة التداول اليومي عن طريق تفجير تقريريتها، وإنهاء حالة الحياد التي أرغم الشعراء الرومانسيون اللغة على التزامها – مجسّدةً في إشارات (ت.س.إليوت) العديدة إلى أهمّية تناول اللغة التداولية في الشعر، و«نبذه للأسلوب الشعري المصطنع، وإيثاره الاقتراب من لغة الكلام الطبيعي، ودعوته إلى أن تتغيّر أشكاله تغيّرا مستمرّا حتّى تلاحق ما يطرأ على لغة الكلام من تغيير»([3]). وقد مثّلت آراؤه ثورة اكتسحت المشهد النقدي الإنجليزي الذي كان مغرقا في لجّة التصنّع والتكلف بسبب ما انتهت إليه المدرسة الرومانسية حين استنفدت كلّ طاقاتها الإبداعية في العطاء، فاستقرّت لغتها عند صور وقوالب جاهزة تصطنع اصطناعا، وبذلك «انقطعت عن مسايرة التغيّر الذي طرأ على عقول الناس وثقافتهم، وعلى مشاكل معيشتهم، ونوع حساسيتهم، وعلى أنماط كلامهم، وأساليب حديثهم»([4]).
وكانت دعوتهم الصريحة إلى ضرورة استخدام لغة التداول اليومي في الشعر من خلال العودة إلى واقع اللغة التي يتحدّثها الناس، والتسامي على رموز الرومانسية البالية، وأصواتها دعوة إبداعية جسّدتها قصائده، كما كانت دعوة نقدية أسّست لها آراؤه النقدية ذات المنطق الإقناعي الآسر، «فلم يكد يقلّ أثره كناقد يوجّه الشعراء الشبّان بآرائه النقدية على أثره كشاعر يعرض عليهم النماذج البديعة من شعره الجديد»([5]). وبهذا تسلّل صوت "إليوت" إلى النقاد والشعراء الإنجليز خصوصا، والنقّاد والشعراء في كافّة أنحاء العالم عموما. وقد شهدت الساحة النقدية والشعرية العربية احتفاء كبيرا بآرائه النقدية ونهجه الشعري، «فقد اعترف عدد من شعرائنا الجدد بمدى تأثّرهم به واستفادتهم منه»([6])، وكان شعراء العراق وفي مقدّمتهم بدر شاكر السياب أكثر المتأثّرين به.
وقد سعى الشاعر العربي الكبير "نزار قبّاني" إلى تقليص مسافة الإزاحة والانحراف ما بين اللغة الشعرية واللغة التداولية على المستوى الإبداعي، ثمّ على المستوى التنظيري، وعُرف هذا الصنيع في مذهبه بـ (اللغة الثالثة) التي هي لغة البساطة في التعبير، والوضوح في الرؤيا، والعمق في التجربة، ولا مجال فيها للشعر المنكفئ على ذاته الذي يغلق أبوابه في وجه قرّائه. وبعبارة أخرى هي جسر لردم الهوّة بين لغتين وصفهما نزار نفسه بقوله : «العربي يقرأ ويكتب ويؤلّف ويحاضر بلغة، ويغنّي ويروي النكات ويتشاجر ويداعب أطفاله ويتغزّل بعين حبيبته بلغة ثانية. هذه الازدواجية اللغوية التي لم تكن تعانيها بقية اللغات كانت تشطر أفكارنا وأحاسيسنا وحياتنا نصفين. لذلك كان لا بدّ من فعل شيء لإنهاء حالة الغربة التي كنّا نعانيها، وكان الحلّ هو اعتماد لغة ثالثة تأخذ من اللغة الأكاديمية منطقها وحكمتها ورصانتها، ومن اللغة العامّية حرارتها وشجاعتها وفتوحاتها الجريئة. إنّ لغة الشعر تنتمي إلى هذه اللغة الثالثة»([7]).
وبهذا الحسم للغة الإبداع الشعري هتك نزار الحجاب الفاصل بين النص والمتلقّي ، ونقل اللغة من درجة الحياد، أو درجة الصفر في الكتابة –كما يدعوها رولان بارت- إلى لغة تُسهم في جذب القرّاء وإشراكهم في عملية إنتاج الدلالات. ومن هنا –أيضا- بدأت تباشير الثورة الشعرية المضادّة تلوح في الأفق، وراحت تؤسّس لشعريتها معتمدة على كفاءات شعرية التقرير.
إنّ شعرية التقرير كانت حالة اضطرارية لجأ إليها شعراء الثمانينات الذين أعفوا القصيدة من مسؤوليات عدّة أُرغمت على تأديتها دهورا وعلى رأسها الوزن والقافية. كما تمرّدوا على مفهوم الانحراف اللغوي الذي هوى بالشعر في بحر الغموض، وسعوا إلى «تكليف اللغة التقريرية بعمل يفوق طاقتها الوظيفية باعتبارها لغة توصيل لكي تصبح لغة انفعالية»([8]). ولم تكن الطريق معبّدة أمام تحديد المعالم الشعرية لهذه اللغة الثالثة التي تتحوّل فيها الرسالة الإبلاغية إلى رسالة شعرية. وإنّما كان على الشعراء أن ينتقلوا من وظيفة إضفاء الشعرية على العالم الخارجي بواسطة تفجير اللغة إلى وظيفة اكتشاف الشعرية في العالم بواسطة الكشف عن علامات التجانس الكونية فيه([9])، ولفْت انتباه المتلقّي إلى الظواهر المألوفة التي طالما مرّ بها دون أن تستأثر بلفتاته الجمالية.
وبذلك راح الشعراء يعتصرون اللغة التقريرية المباشرة لاستدرار رحيق الشعرية منها، وصارت لغة التخاطب اليومي واقعا لغويا تزخر بتفاعلاته القصائد الشعرية. ولئن مثّلت اللغة التداولية وسيلة تلقائية لهؤلاء الشعراء، ولا سيما شعراء قصيدة النثر، فإنّها كانت لدى الشاعر الشعبي واقعا فنّيا يعايش تفاصيله، ويمنحه الشرعية الشعرية بما يتضمّنه من بساطة وتلقائية.
إنّ الدارس الذي يستهدف مظانّ الشعرية في الأدب الشعبي مضطرّ –لا محالة- إلى الوقوف طويلا أمام عتبات اللغة التقريرية، ذلك أنّ شعرية هذا الضرب من الشعر تتأسّس –في جانب كبير منها- على شعرية التقرير، إذ هو تعبير فطري صادق عن أحوال المجتمع، وبلسانه، وقوالبه اللغوية التي يتداولها بعيدا عن لغة التغريب والتشتّت الدلالي. وستحاول هذه المداخلة مقاربة شعرية التقرير من خلال شكلين بارزين يسلم بهما شعر "أحمد بن عبيد"(*) قياده للدارس دون عناء هما: الأسلوب السردي، وأسلوب التحفيز.
1) – الأسلوب السردي: تعتمد القصيدة الشعبية على السرد كوسيلة لإنتاج شعريتها بعيدا عن الانحرافات اللغوية، فهي تستهدف متلقّيا يتفاعل مع ما غازل ذاكرته . لذلك كان اختزال مسافة التلقّي وإعدام فجوات التوتّر أكثر ما ينشغل به الشاعر. وكان السرد –من خلال حياد لغته وسطوع مضمونه في ذهن المتلقّي- أيسر السبل لتحقيق شعرية النص.
وليس يعسر على المتأمّل لشعر أحمد بن عبيد أن يميّز بين أسلوبين من السرد يعتمدهما في كثير من قصائده. هما: الأسلوب السير ذاتي الذي يوصف بأنّه «قول شعري ذو نزعة سردية يسجّل فيه الشاعر شكلا من أشكال سيرته الذاتية، تظهر فيه الذات الساردة بضميرها الأوّل متمركزة حول محورها الأنوي، ومعبّرة عن حوادثها وحكاياتها عبر أمكنة وأزمنة وتسميات لها حضورها الواقعي خارج ميدان المتخيّل السردي»([10]). والأسلوب السردي الموضوعي الذي يتّخذ فيه الشاعر من عالم الواقع ومسرح أحداثه مادّة فنّية لتشكيل متخيّله الشعري.
وبما أنّ شعر أحمد بن عبيد زاخر بغرض المديح الديني كمدح الرسول r ، والخلفاء الراشدين، والصحابة، ومدح الأولياء والصالحين، ولا سيما شخصية الشيخ أحمد التجاني مؤسّس الطريقة التجانية فإنّ كثيرا من قصائده تعتمد الأسلوب السير ذاتي نموذجا للمحبّ المخلص الذي يضنى متنقّلا بين الفيافي والجبال في سبيل الفوز برضا ممدوحه. ومن النماذج التي يتجلّى فيها هذا الأسلوب قصيدة مطوّلة دوّن الشاعر من خلالها رحلته الشاقّة إلى مدينة فاس مثوى الشيخ التجاني بالمغرب الأقصى ومنها([11]):

ڤُلْتَ انْغَــرَّبْ، شُورْ فَاسْ وَالْبَعْدِ يْڤَرَّبْ غُـدْوَهْ نَرْكَـبْ، مِنْ مَغَامْ بُوحَجَّهْ رَانِي
سِيدِ الْبُوطِي، وَالْعَـلاَ يْكَمَّلْ شْـرُوطِي نَرْفَعْ صُوتِي، فِي مْغَـامْ جَـدَّ الْـكُرْدَانِي
مَن الَّڤْرَارَهْ، وَادَ مْزَابْ خَلِّيهْ يْسَــارَهْ ڤَمْرَ الدَّارَهْ، فُــوڤْ عِينْ مَاضِي بُسْتَانِي
سَلَّمْ عَنْ سِيدِ الصّْـغِيرْ، فِي ضَيْ الْمُنِيرْ وَصْبَاحَــكْ بِالْخِيرْ، يَا وْلِيدَ الصَّنْـدَانِي
سِيدِ الطَّاهَرْ، فِي النّْجُـوعْ بُرْهَانُو ظَاهَرْ جَانِي لَشْهَـرْ، شَافْنِي وْشَفْـتُو بَعْيَـانِي
خُـوذَ تْيَارَتْ، فَالْعَــلاَ الْمَاشِينَهْ دَارَتْ فِيهَا حَارَتْ، طَايْفَــهْ وَالشَّايْفُورَ الدَّانِي
مَنْ بَارِيڤُو، تَسَمْـعُو يْدَڤْــدَڤْ فَطْرِيڤُو هَـاجْ حْرِيڤُ، صِيهْــدُو مْعَلَّمْ وَهْرَانِي
غَرَّبْ فَالْمَرْدَاسْ، زُورْ سِيدِي بَلْعَبَّــاسْ إِمَامْ الرِّيَّـاسْ، يَا الشَارِيفْ تْلِمْسَــانِي
دَهَّمْ مَغْنِيَّهْ، اوْ طَالْ وَحْــشْ الدَّاوِيَّـهْ وَجْدَهْ لَعْشِيَّهْ، تَرْبَـحْ تْبَاتْ الزَّهْــوَانِي
تْعَلَّى فُوڤْ لَجْبَالْ، وَوْعَارَتْ لَسْهَــالْ تَتَّرْجَمْ لَشْغَـالْ، فُوڤْ صَرْصَـرْ لَغْصَانِي
ارْكَبْ مَ لَّعْشَابْ، تُوڤْ عَنْ رَايِسْ لَغْطَابْ شُوفْ الْبَرْڤَ بْلاَ سْحَابْ، فِي كُلّْ زْمَانِي
شُوفْ الجَّنَّهْ، كَــانْ كُنْتْ فِيهَـا تَتْمَنَّى رُوحْ تْهَنَّى، بَشَّــرْ الْڤَلْـبْ الدَّخْلاَنِي
غُــومْ تْزُورْ الصَّالْحِينْ، الْجَمْعَهْ وَلَثْنِينْ هَــذَا سِيدْ الْعَارْفِينْ، فِي كُـلّْ زْمَانِي
ابْغَى فِي لاَمَانْ، يَا التَّجَّـانِي حَمْــدَانْ يَدِّينِي وَرْشَـانْ، رُوحْ يَا الطِّيرْ الْبُـرْنِي

ينتمي هذا النص الشعري –مثلما هو واضح- إلى فضاء القصائد السير ذاتية من خلال دلالات نصّية وخارج نصّية، هي بمثابة الميثاق البيّن بين الشاعر/السارد والمتلقّي الملمّ بأخباره. يقوم الشاعر في مستهلّه بمناجاة الشيخ أحمد التجاني، مبرزا له شوقه وفناءه في سبيل حبّه. ومن ثمّ تبدأ رحلته الطويلة إلى مدينة "فاس" المغربية التي تضمّ ضريح الشيخ ومقامه. ومجرّد الإشارة إلى هذه الرحلة يعدّ اعترافا مدوَّنا منه إلى المتلقّي بنسبة الحوادث والعلاقات الزمانية والمكانية التي تتضمّنها القصيدة إليه. وهذا ما يمنح القصيدة شرعيتها السير ذاتية- فهي تفصيل دقيق للأمكنة التي صادفت طريقه، وتعداد لمواقف اتّخذها الشاعر من الشخصيات التي تستوطن تلك الأمكنة.
وإنّ للمكان بتجلّياته ورموزه وعلاماته لسحرَه الطاغي في القول الشعري، فعليه تنعقد خصائص النص الشعرية، وما يمثّله من مرجعية مركزية، وإحالة جوهرية تستقطب إليها وجدان المتلقّي دون حدود. وقد تأسّس هذ النصّ السير ذاتي في تشكيله الشعري على بنية المكان التشخيصية والإيحائية. إذ استهلّ الشاعر رحلته بانطلاقه من موضع ذي محمول وجداني كثيف، وإيحاء إيديولوجي وعاطفي كبير وهو مقام الشيخ "الحاج علي" الكائن بتماسين جنوبي مدينة تقرت في قوله (غُـدْوَهْ نَرْكَـبْ، مِنْ مَغَامْ بُوحَجَّهْ رَانِي ) وهذا المقام يعدّ امتدادا لحضور الزاوية التجانية القوي في الجنوب الجزائري. وعلى الرغم من أنّ الشاعر لم يكن مضطرّا لأن يستهلّ رحلته من هذا الموضع؛ فدونه مدينة (الطيبات) موطن الشاعر الذي تشي نصوص كثيرة أخرى بعلاقته الوطيدة به، وكان أحرى به أن يبدأ بذكر وداعه لأهله وموطنه، لكنّه لم يفعل وفضّل بدلا عن ذلك الانطلاق من (مقام بوحجّة) الذي يحتلّ مكانة خاصّة في ذاكرة المتلقّي. ومن ثمّ فإنّ ذكره هذا الموضع مقرونا بموضع آخر أكثر قداسة في نفس المتلقّي وهو ضريح الشيخ أحمد التجّاني في فاس يعدّ حدثا شعريا كفيلا بخلق آلية شعرية بديلة عن آلية التغريب والانحراف اللغوي، بالاعتماد على شعرية التقرير.
ويلعب المكان دوره الفاعل في البيت الأول من هذا المقطع الذي يعدّ بداية لرسم سيرة المكان الشعرية، حيث ينوي الشاعر السفر إلى مدينة فاس بالمغرب (ڤُلْتَ انْغَــرَّبْ، شُورْ فَاسْ ) فيحدّد الجهة وهي الغرب، والغاية وهي فاس. ولكنّ المسكوت عنه في هذه العبارة أكثر من المذكور. وعلى الرغم من أنّ احتمالات التأويل قليلة أمام المتلقّي المتابع لهذه السيرة الذاتية بسبب أن هنالك عَقْدا علاميا مسبقا بينه وبين الشاعر يقضي بانجلاء شفرة النص المتمثّلة في إيحاءات المكان (فاس) ، إلاَّ أنّ المتلقّي بصفة عامّة لا يدرك أنّ (انْغَــرَّبْ، شُورْ فَاسْ ) تعني زيارة مقام الشيخ التجاني بفاس لطلب المدد والعون. وهذا ما يجعل المكان (فاس) برغم مظهره التقريري الواضح علامة سيميائية سابحة في فضاء التأويل.
ويسترسل الشاعر في ذكر المواضع التي مرّ بها موضعا موضعا محدّدا بها موقفه الإيديولوجي من كل مدينة أو قرية. فمن (تماسين) التي هي محطّة إقلاع للمتخيّل الشعري إلى مدينة "العالية" شمالي مقر الولاية ورقلة بحوالي 70كلم، وبها ضريح (سيد البوطي) الذي تكتمل بزيارته شروط استئناف الرحلة المباركة عن طريق رفع الصوت بالدعاء عند ضريحه. بينما يعرّض الشاعر بأماكن أخرى تصادفه بعد ذلك في طريقه كمدينة (القرارة) ومدينة (غرداية) التي لا يذكرها باسمها وإنّما بالتركيب (واد مزاب) وكأنّما ليختصّه بصفة العالم المجهول الذي لا يعنيه أمره، ولذلك يطلب من المخاطب أن يتركه يسارا أثناء الرحلة (مَن الَّڤْرَارَهْ، وَادَ مْزَابْ خَلِّيهْ يْسَــارَهْ) . واللافت أنّ الذات الشاعرة تنازلت عن مقام السرد الأنوي منذ ذكر هذين الموضعين، وتراجع ضمير الأنا ليفسح المجال إلى السرد السير ذاتي بضمير المخاطب (أنت)، وهو وارد في مثل هذا الأسلوب من السرد؛ إذ «قد يتقنّع الضمير الأول -ضمير الأنا- بضمائر أخرى حسب المتطلّبات والشروط التي تحكم كلّ قصيدة سير ذاتية»([12]). ومبرّر هذا التنازل العمدي عن السرد بضمير الأنا هو محاولة التعريض بقوم لا يعتقدون بمعتقد الشاعر مع تجنيب الذات الدخول في معترك هذا التعريض.
وتهيمن سيرة المكان الشعرية بالتركيز على الحمولة الإيحائية التي يتضمّنها، فمن الحديث عن مدينة غرداية التي هي ليست سوى (واد مزاب) إلى الحديث عن مدينة الأغواط التي لا يعني الشاعرَ منها إلاّ منطقة (عين ماضي) مهد الزاوية التجّانية الأوّل، لذلك يقف عندها ويستوقف مرافقه للتزوّد من بركات أوليائها، والارتواء من حوضها الجمّ (ڤَمْرَ الدَّارَهْ، فُــوڤْ عِينْ مَاضِي بُسْتَانِي). ثمّ يأمر المخاطب بالتوجّه إلى مدينة (تيارت) ليستقلّ القطار. وهنا تتّسع دائرة التقرير لتشمل حيثيات أخرى إلى جانب المكان ومنها القطار الذي يعدّ علامة جديدة أثرت المتخيّل الشعري، وعملت على إيقاظ شعور الدهشة والاستغراب في نفس المتلقّي الذي لا عهد له بهذه الوسيلة لما حملته من جدّة، لذلك فإنّ طائفة المتلقّين محتارة في أمر هذا القطار (فيها حارت طايفه) حين تسمع هديره من منطقة (بريڤو) التي ينتقل منها الشاعر إلى مدينة سيدي بلعباس، ثمّ إلى تلمسان، فمغنية آخر المدن الجزائرية إلى الغرب. ليبيت ليلته في منطقة (الزهواني) بعد عبوره بمدينة (وجدة) المغربية عند المساء.
ويستأنف استعراض المناطق التي مرّ بها في رحلته، فبعد زيارة (قرصيف) ينزل ضيفا بضريح (الحساني) في (باب تازة). ثمّ تمتدّ به الرحلة متوغّلا في بلاد الأمازيغ التي يحتاج فيها إلى من يعينه في ترجمة حوائجه (تَتَّرْجَمْ لَشْغَـالْ)، حتّى يخلص أخيرا إلى مبتغاه في مدينة فاس، وهو ضريح الشيخ أحمد التجّاني، فيصفه بقوله:

شُوفْ الجَّنَّهْ، كَــانْ كُنْتْ فِيهَـا تَتْمَنَّى رُوحْ تْهَنَّى، بَشَّــرْ الْڤَلْـبْ الدَّخْلاَنِي

فيؤدّي واجب الزيارة ثلاثة أيام شاكيا باكيا مستغيثا موقنا في نفسه ألاّ حساب ولا عقاب بعد هذا التطهير المادّي والنفسي:

اَحْلَفْ عَنُّو بِالْكْتَابْ، مَمْنُوعْ الْحِسَابْ فِي حَضْرَةْ لَحْبَابْ، كَانْ فِالْبَرْزَخْ مَبْنِي

ولا تتوقّف السيرة السردية المرتكزة على التقرير أساسا لإبراز شعريتها من خلال الإيحاءات الدلالية للمكان في هذه القصيدة الطويلة ببلوغ الشاعر إلى مقام (الغوث الربّاني)، وإنّما هي رحلة عبر المكان من مدينة (تقرت) إلى مدينة (فاس)، ثمّ عودة يرتكز فيها الشاعر –أيضا- على شعرية المكان في رحلة عكسية إلى البقاع المقدّسة للحجّ تمتدّ من فاس مقام (أحمد التجّاني) إلى مقام رسول الله r بالمدينة، ثم العودة أخيرا إلى مكان الانطلاق الأوّل مقام (بو حجّة) ليكون نهاية للرحلة المباركة:

طَارْ الْحَايِسْ، فِي بْرُورْ رَوَّحْ لَطْرَابْسْ نَا مَنْ يَامَسْ، فِي مْغَامْ بُوحَجَّهْ رَانِي

وكأنّما هي رحلة لتفجير سحر الأمكنة بما لها من قداسة، فلم يُطل الوقوف بموضع إلاّ إن كان به وليّ صالح يتضرّع أمام بابه، وإن لم يكن فيه وليّ عرّض به ثمّ غادره.
إنّ هذا الاعتماد على شعرية اللغة التداولية مجسّدة في الأسلوب السير ذاتي الذي يتّخذ من المكان والحدث مطيّة لتجلّيه لهو أكثر خصائص التجربة الشعرية الشعبية بروزا. ذلك لأنّ تجربة تقوم بالأساس على طبيعة المتلقّي الذي تتوجّه إليه. ومن ثمّ فهي تتغذّى شعريا من تلك الألفة والبساطة التي تتمظهر بها.
وكما أنّ أحمد بن عبيد قد عوّل في تذخير متخيّله الشعري بأسلوبه السردي السير ذاتي، فقد اعتمد أيضا على أسلوب السرد الموضوعي الذي يقوم على النبش في أحداث التاريخ الإسلامي الحافل، وقد استأثرت شخصية الرسول r والصحابة بنصيب غير يسير من شعره، وكان للإمام علي (ك) حضور كبير في هذا الشكل من السرد، ومن ذلك قوله([13]):

كَانَتْ رُومَانْ مَهْجُومَهْ، خِيلْ اُوْفُرْسَانْ مَرْسُومَهْ مَا كَانْ كْلاَمْ غِي هُومَا، طَفَّى نِيرَانْهُمْ حَيْدَرْ
خَلَّى لَصْوَارْ مَهْدُومَهْ،كَسَّرْ لَصْنَامْ لَمْخَنْطَرْ
كَانَتْ رُومَانْ لاَ خُوفَهْ، مْنَ ارْضَ الْعِرَاقْ لَلْكُوفَهْ بَدْوِي وَالشَّامْ مَلْهُوفَهْ، لاَ مَنْ يَقْرَا اللَّهْ وَاكْبَرْ
كِي جَاهَمْ رَايَسْ الشُّرْفَهْ، ابْدَاتْ الرُّوسْ تَطَّايَرْ
غَيَّبْ عَلاَّلْ فِي حَرْبُو، عَنْدِي شِيعَاتْ فِي عَرْبُو فِي رَاسْ الْغُولْ كِي ضَرْبُو، بَعْدَ مَّا كَانْ يَتْمَسْخَرْ
خَلّى وَدْيَانْ يَدَّرْبُو، مِنْ دَمْ ضْلُوعْ لَمْكَدَّرْ
اُڤَالُّو رُوحْ يَا عَرْبِي، نَا رَاهَا جْنُونْ فِي حَرْبِي ڤَالُّو آنَا عَنْدِي رَبِّي، وَانْتَ مَوْلاكْ رَبْ حْجَرْ
مَا زَلْتُو تَسَمْعُو ضَرْبِي، غُدْوَهْ نَسْڤِي الْكَاسْ الْمُرْ

تتراجع اللغة الشعرية في هذا المقطع إلى درجة الصفر في الكتابة التخييلية، وتطغى عليه لغة تداولية أقرب إلى دائرة النثر، ولا يبقى من سبيل أمام انفكاك هذا الكلام من اللغة التقريرية الخالصة سوى المحتوى السردي للنصّ، أي أنّ عمليّة القصّ ذاتها تحفّز بعض الآليات الشعرية على العمل، ولعلّ أهمّا إيقاع السرد، وإيقاع الحوار، وعنصر الغرائبية في النصّ.
فمن بعض مظاهر الإيقاع السردي عنصر المفارقة الذي يتأسّس عليه البيت الأوّل، حيث إنّ الجملة الشعرية الأخيرة في البيت (طَفَّى نِيرَانْهُمْ حَيْدَرْ ) التي تفيد أنّ عليا (ك) قد كسر شوكة الروم تحدّ من تدفّق المجرى الدلالي الإيجابي الذي جسّدته الجمل الشعرية الثلاث الأولى (كَانَتْ رُومَانْ مَهْجُومَهْ، خِيلْ اُوْفُرْسَانْ مَرْسُومَهْ، مَا كَانْ كْلاَمْ غِي هُومَا) التي هي وصف لعزّ الروم ومجدهم وبسطة سلطانهم. وكذلك حدث في البيت الثاني بين شطريه الأوّلين وشطره الأخير، والبيت الرابع بين حديث (راس الغول) وحديث علي (ك). ويتجلّى الإيقاع فيما انبنت عليه أبيات هذا المقطع، وكان سمة لها وهو عنصر المفارقة الذي أنتجته التقابلات الضدّية بين الأحداث والشخصيات، وهو ما أنتج بدوره إيقاع الدهشة والاستغراب في نفس المتلقّي.
ومن مظاهر المنحى الغرائبي في المقطع شخصية (راس الغول) الأسطورية التي تسرّبت إلى الأدب الشعبي -مثلما تسرّبت أساطير أخرى كثيرة- بتأثير من الثقافات والمعتقدات التي احتكّ بها، وهي -أي أسطورة (راس الغول) - هنا لتهويل قوّة الإمام علي (ك)، وإظهاره بشخصية أسطورية لا تقهر. فهو يُنزل بشخصية (راس الغول) أنكل الهزائم في كلّ المواقف.
كما يتجلّى إيقاع الحوار بين ما تلفّظ به رأس الغول: (رُوحْ يَا عَرْبِي، نَا رَاهَا جْنُونْ فِي حَرْبِي)، وما تلفّظ به علي (آنَا عَنْدِي رَبِّي، وَانْتَ مَوْلاكْ رَبْ حْجَرْ)، حيث تنمّ إجابة الإمام علي عن منطق حجاجي مفحِم لا يملك بعده المخاطب إلاّ الصمت. وإنّ في ذلك لتفعيلاً لإيقاع الانسجام والتنافر الذي يهدف الشاعر إلى وضع المتلقّي في فضائه.
وهكذا تبرز القيمة الشعرية للمحتوى السردي بوصفها مغالِبة للّغة التقريرية التي تسعى به نحو النثرية الفجّة، إذ تفتقر أحيانا كثيرة إلى السند المرجعي الذي يغذّيها برحيق شعري صافٍ.
2 - أسلوب التحفيز: ليس المقصود من التحفيز ذلك المصطلح الذي تبنّاه الشكلانيّون الروس في مطلع القرن العشرين، أثناء مقاربتهم للمعنى في الشعر والنثر، والقاضي بأنّ المضامين والأفكار ما هي إلاّ محفّزات للأشكال التي هي أساس الشعرية. وإنّما المقصود من التحفيز أنّ هنالك أسماء وقوالب لغوية جاهزة تتداولها المجتمعات الشعبية أثناء الحديث اليومي يعمد الشاعر إلى جعلها تُحفّز معانيَ أخرى جديدة ترتبط بها. وعلى الرغم من أنّ منطق التقرير متحكّم في كلا المعنيين إلاّ أنّ علاقة التحفيز هذه تجسّد ملمحا من ملامح الشعرية التي يتغذّى بها النصّ الشعري. وممّا ورد من هذه الأشكال التحفيزية نذكر:
- الاستعانة بحروف الأبجدية لإيجاد فضاءات دلالية جديدة، وتدعيم أرضية المتخيّل الشعري. وهو ما يتجلّى من قصيدة في مدح الرسولr، حيث يتأسّس كلّ بيت منها على الإيحاءات الدلالية لكلّ حرف من حروف الأبجدية من الألف إلى الياء عبر عملية تداعٍ حرّ. فقد جاء في حرف الألف([14]):

صَلُّو عَنُّو بَالِيفْ، ڤَدْ مَا حَرْثُو فِي زَرْعَ الْمَصِيفْ ڤَدْ الْغَلَّهْ شَاوَ الْخَرِيفْ، صَحْرَاوِيَا وَجْبَالْ
لَمْلاَكْ تْصَلِّي عْلَى الشّْرِيفْ، لَحْبَابْ عْلِيهْ تْسَالْ

تتكوّن أبيات هذا النص الشعري بنيويا من ستّ جمل شعرية، وثلاثة أشطر، وهي مكوّنات البيت الشعري الواحد في أكثر قصائد أحمد بن عبيد - ولعلّ في ذلك ضربا من المحاكاة للموشحّات الأندلسية- تمثّل الجملة الأولى فيه مرتكزا دلاليا وإيقاعيا للجمل الموالية، من خلال إيحاءات حرف الألف. فبالكمّ يطالب الشاعر المتلقّي بالإكثار من الصلاة على المصطفىr . وبالكيف تظهر الجملة المركزية عارية من الدلالة المباشرة، فلا يُعقل أن تتمّ الصلاة على الرسولr بحرف الألف. إلاّ إن فُتح باب التأويل، فيُقال -مثلا- صلّوا على الرسولr بقدر ما تردّد حرف الألف في اللغة العربية. ولا يعني هذا التأويل -الذي النصّ في غنًى عنه- أنّ شعرية البيت متدفّقة عبر لغة شعرية تنهض على الانزياح اللغوي، وإنّما لا تزال اللغة التقريرية أساسا للمنطق الشعري. وما يقوم به حرف الألف هو مجرّد دور تحفيزي لأشكال إيقاعية متمثّلة في الترصيعات التي تميّز فواصل الجمل المتجاوبة مع هذا الحرف من جهة، ولتفجير بؤر دلالية ترتبط بمقدار الصلاة المراد تأديتها على الرسولr من جهة ثانية.
وتتساوق أبيات القصيدة كلّها على هذا المنوال حتّى تكتمل كل الحروف الهجائية، ومنها دونما التزام بتواترها:

صَلُّو عَنُّو بَالْبَا، ڤَدْ كَثْرَةْ لَمْطَارْ الصَّابَّهْ شَفْتْ عْلُومْ الطُّلْبَهْ، يْعََظْمُو فِي شَانُو لَطْفَالْ
فِي خَلْقْ اللَّهِ وَاجْبَهْ، مَا يَشْبَهْلُو مِثَالْ
صَلُّو عَنُّو بالتَّا، شْفِيعْ لُمَّهْ مَا عَنْدِي غِي انْتَ مِن نُّورَ الْيَاقُوتَهْ، رْوِيتْنَا مِنْ جَنَّةْ لَضْلاَلْ
شِيعَاتُو مَنْعُوتَهْ، بَالَكْرَمْ وَالْجُودُ ولَخْصَالْ
صَلُّو عَنُّو بِالرَّا، حْبِيبْ رَبِّي لاَ بَاعْ وَلاَ شْرَا وَعْلَى سِيدْ الزُّهْرَهْ، شْفِيعْنَا فِي يُومْ الزَّلْزَالْ
يَظْهَرْ زِينَ الْبُشْرَهْ، يْفُكْنَا مِنْ صَهْدَ الْمَشْعَالْ
صَلِّي بِالصَّادْ وَالضَّادْ، ڤَدْ مَا هَيَّلْ فِي جْنُودْ الجـَّرَادْ النَّاطَقْ والجَّمَاد، وَالْعَلاَ وَمْجَارِي لَسْهَالْ
انْجُومْ الظَّلْمَهْ فِ السُّوَادْ، شَمْسُ و ڤَمْرَهْ وَهْلاَلْ

توظيف أسماء الله الحسنى لتحفيز مكامن المتخيّل الشعري لدى الشاعر، وهذا يظهر في قصيدة يداخل فيها بين مدح الرسولr، والتغنّي بفضائل الشيخ أحمد التجّاني. ومنها قوله([15]):

نَبْدَا بِاسْمَ الْفَتَّاحْ، وَالنْبِي مُحَمْدْ سِيدِ الْمَلاَحْ التَّجَانِي مَصْبَاحْ، فِي الْعَرَبْ خَاتَمْ لَوْلِيَا
يَا سُلْطَانْ الصُّلاَّحْ، وَالشْوَايَعْ نِيفْ عْلِيَا
نَبْدَا بِاسْمَ الْجَلِيلْ، وَالنْبِي مُحَمْدْ طُبْ الْعَلِيلْ وَابْرَاهِيمَ الْخَلِيلْ، وَالسْـلاَمْ عْلَى لَنْبِيا
التَّجَّانِي دَلِيلْ، خِيرْ مِنْ شُوفَتْ عَيْنِيَا

إنّ استهلال الشاعر حديثه بذكر لفظ الجلالة يحفّز سلسلة دلالية تنازلية على التفجّر تبدأ بذكر الله تعالى، ثمّ مدح الرسولr، ثمّ الثناء على الشيخ التجّاني ، وقد تُختم بذكر بعض الأولياء الآخرين، ويتساوق هذا التشكيل الدلالي في كامل أبيات القصيدة. ويمثّل لفظ الجلالة -على شاكلة ما رأينا سابقا مع الحروف الهجائية- في النصّ قيمة فنّية أكثر ممّا هو قيمة دلالية مقصودة لذاتها، من خلال صداه الدلالي والإيقاعي؛ فدلاليا يفرض على البيت أن يخضع لذلك التدرّج التنازلي في الذكر والمدح، وإيقاعيا يفرض عليه هندسة نغمية تتجلّى في نهايات الجمل الشعرية المتجاوبة مع الحرف الأخير لكلّ لفظ من ألفاظ الجلالة.
- الاعتماد على الوصف الحسّي الدقيق قصد إظهار الموصوف في صورة مثلى، وفي هذا الوصف يكاد التقرير أن يحجب شعرية النصّ بما يفرضه من اقتراب نحو دائرة النثر.ومن نماذجه قول الشاعر في مدح الشيح أحمد التجّاني([16]):


لُو كَانْ تْشُوفْ لَجْبِينُو، حَارُو لَمْــلاَكْ فِي زِينُو يَتْرَشَّـقْ فِي بْسَـاتِينُو، سَالُو عَنُّـو اللِّي سَوَّلْ
اُو بُوحَجَّهْ عْلَى يْمِينُو، وَاوْلاَدُو زِينْهُمْ حَافَلْ
لُو كَانْ تْشُوفْ لَلْحَاجَبْ، تَبْقَى فِ الزِّينْ تَتْعَجَّبْ هَذَاكْ الْكَارْ وَالْوَاجَبْ، فِ التَّجَّانِي شْرِيفْ التَّلْ
ظَهْرَهْ وَشْرُوقْ وَالْمَغْرَبْ، وَالْڤِبْلَهْ وِينْ تَسْتَقْبَلْ

إنّ هذه الصفات التي يتعلّق أكثرها بالجمال المادّي للممدوح، وهو جمال مثالي وشامل خصّ شخصية الممدوح وتعدّاها إلى محيطه الاجتماعي من أهل وولد وغيرها -تتمّ بلغة تداولية بسيطة تتفاعل مع بيئتها الاجتماعية، ولو أنّها وردت منفصلة عن السياق الذي جاءت فيه لكانت عائقا يحول دون حركية العناصر الشعرية، ولأفرزت لغة نثرية لا قيمة فنّية لها. لكن تلك الصفات المادية دخلت ضمن تشكيل صورة كلّية سعى الشاعر إلى وضع المتلقّي حيالها منطلقا من أنّ (الْعِين اللِّي مَا شَافَاتُو عَمْيَا مِنْ يُومْهَا لَوَّلْ). ومن ثمّ فهي تستمدّ طاقتها من العنصر الفنّي أكثر ممّا تستمدّها من العنصر الواقعي المادّي.
ومهما كان اعتماد الشاعر على عناصر الواقع التي تشكّل المادّة الخامّ للشعر فإنّ ذلك لا يعني أنّ اللغة التقريرية التي تتجلّى بها هي غاية يتقصّدها الشاعر لذاتها. وإنّما تتحرّك تلك العناصر بطريقة خفيّة -لا تدرك إلاّ بعد التأمّل- لتتحوّل في فرن الرؤية الشعرية إلى عناصر فنّية منتجة.
إنّ اللغة التداولية الشفّافة التي تعدّ خاصّية من خصائص الشعر الشعبي ليست شفّافة بالقدر الذي يجعلها تسقط في هوّة اللغة الإبلاغية ذات الحياد المطلق، بل إنّها شفافية خدّاعة، وهذه طبيعة أزلية في الشعر بصفة عامّة، فهو لا يُسلم قياده إلاّ للفارس الهمام.

الإحالات:

* - جزء من مداخلة ألقيت في الملتقى الوطني الأول الذي نظمه معهد الآداب واللغات بالمركز الجامعي بالطارف يومي 22-23 نوفمبر 2011.
[1] - عبد العزيز موافى: قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، القاهرة، 2006، ص 256.
[2] - ديمين كرانت: موسوعة المصطلح النقدي ج1، ت: عبد الواحد لؤلؤة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1983، ص503.
[3] - محمد النويهي: قضية الشعر الجديد، دار الفكر، بيروت، ط2، 1971، ص15.
[4] - نفسه، ص16.
[5] - نفسه، ص17.
[6] - نفسه، ص15.
[7] - ستيفان وايلد: نزار قباني الجنس والموت والشعر، مقال، مجلة القاهرة، يوليو 1993، ص104.
[8] - عبد العزيز موافى: قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية، ص262.
[9] - ينظر: نفسه، ص263.
* - أحمد بن عبيد أحد أبرز أعلام الشعر الشعبي في منطقة الطيبات التابعة لولاية ورقلة . والواقعة غربي وادي سوف بحوالي خمسين كلم.
[10] - محمد صابر عبيد: العلامة الشعرية -قراءات في تقانات القصيدة الجديدة- عالم الكتب الحديثة، الأردن، ط1، 2010، ص150.
[11] - مدائح الشيخ أحمد بن عبيد عن شيخ الطريقة التجانية سيدي أحمد التجاني، مدوّن مخطوط من حفظ العلمي خلفاوي، وتدوين الأخضر عبيد، الطيبات، ديسمبر 2007. ص60.
[12] - محمد صابر عبيد: العلامة الشعرية، ص150.
[13] - مدائح الشيخ أحمد بن عبيد عن شيخ الطريقة التجانية سيدي أحمد التجاني، ص26.
[14] - نفسه، ص3.
[15] - نفسه، ص1.
[16] - نفسه، ص84.

_________________


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
يا قارئ خطي لا تبكي على موتي.. فاليوم أنا معك وغداً في التراب.. فإن عشت فإني معك وإن مت فللذكرى..!
ويا ماراً على قبري لا تعجب من أمري.. بالأمس كنت معك وغداً أنت معي..
أمـــوت و يـبـقـى كـل مـا كـتـبـتـــه ذكــرى
فيـا ليت كـل من قـرأ خطـي دعا لي

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
احبكم في الله
عضو مميز
عضو مميز
avatar

عدد المساهمات : 2876
نقاط : 19271
السمعة : 53
تاريخ التسجيل : 19/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي أحمد بن عبيد نموذجا(*)    الأحد 22 يناير 2012, 1:06 am




ما شاء الله شرح جميل لموضوع اجمل

فمشكورة على هاته الافادة القيمة اختي

بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.islam2all.com
ملاك الله
مشرف ذهبي
مشرف ذهبي
avatar

عدد المساهمات : 8536
نقاط : 50311
السمعة : 248
تاريخ التسجيل : 12/07/2009
العمر : 36
الموقع : الوادي

مُساهمةموضوع: رد: بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي أحمد بن عبيد نموذجا(*)    الأحد 22 يناير 2012, 5:58 pm

دائما متميزة في الانتقاء
سلمت على روعه طرحك
نترقب المزيد من جديدك الرائع
دمت ودام لنا روعه مواضيعك

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فراشة سوف
مشرف ذهبي
مشرف ذهبي
avatar

عدد المساهمات : 6031
نقاط : 39629
السمعة : 171
تاريخ التسجيل : 11/07/2009
العمر : 26
الموقع : وادي سوف*الجزائر

مُساهمةموضوع: رد: بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي أحمد بن عبيد نموذجا(*)    الإثنين 23 يناير 2012, 9:11 pm

احبكم في الله كتب:



ما شاء الله شرح جميل لموضوع اجمل

فمشكورة على هاته الافادة القيمة اختي

بارك الله فيك


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

_________________


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
يا قارئ خطي لا تبكي على موتي.. فاليوم أنا معك وغداً في التراب.. فإن عشت فإني معك وإن مت فللذكرى..!
ويا ماراً على قبري لا تعجب من أمري.. بالأمس كنت معك وغداً أنت معي..
أمـــوت و يـبـقـى كـل مـا كـتـبـتـــه ذكــرى
فيـا ليت كـل من قـرأ خطـي دعا لي

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فراشة سوف
مشرف ذهبي
مشرف ذهبي
avatar

عدد المساهمات : 6031
نقاط : 39629
السمعة : 171
تاريخ التسجيل : 11/07/2009
العمر : 26
الموقع : وادي سوف*الجزائر

مُساهمةموضوع: رد: بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي أحمد بن عبيد نموذجا(*)    الإثنين 23 يناير 2012, 9:11 pm

ملاك الله كتب:
دائما متميزة في الانتقاء
سلمت على روعه طرحك
نترقب المزيد من جديدك الرائع
دمت ودام لنا روعه مواضيعك



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

_________________


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
يا قارئ خطي لا تبكي على موتي.. فاليوم أنا معك وغداً في التراب.. فإن عشت فإني معك وإن مت فللذكرى..!
ويا ماراً على قبري لا تعجب من أمري.. بالأمس كنت معك وغداً أنت معي..
أمـــوت و يـبـقـى كـل مـا كـتـبـتـــه ذكــرى
فيـا ليت كـل من قـرأ خطـي دعا لي

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
بنية اللغة التداولية في الشعر الشعبي أحمد بن عبيد نموذجا(*)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تركية السوفية :: أدب و شعر عربي-
انتقل الى: